في قلب مجتمعنا يتجلى اليوم مشهد بالغ الدقة والتعقيد لم تعد الفوارق بين الطبقات مجرد أرقام جافة في التقرير الاقتصادي، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية وسلوكية تشير إليها أدبيات التواصل باسم الفجوة بين "إيجيبت" و"مصر" وهو ليس صراعاً بين جغرافيتين بل يعد بين عالمين يعيشان على أرض واحدة، يتحدثان لغتين مختلفتين تماماً في فلسفة العيش والاهتمامات وشغف الاستهلاك،
فقد كان المجتمع المصري على مدى العصور يتكئ تاريخياً على طبقة متوسطة متوازنة تشكل حائط الصد وجسر التواصل بين المحيطين، ولكن المتغيرات السريعة جرفت هذا الجسر لتتسع الفجوة بشكل استثنائي، لتصبح مظاهر الرفاهية المفرطة متمثلة في "إيجيبت المغلقة" تُعرض يومياً وعلى مدار الساعة أمام ملايين العيون في "مصر الكادحة". فلم تعد الفوارق تُعاش في صمت كما كانت من قبل، بل أصبحت تُعرض عبر الشاشات بكثافة، ما ولّد حالة من الاستفزاز الاجتماعي ضغطت بثقلها النفسي على الأسر التي تجد نفسها اليوم في مواجهة تطلعات أبنائها المشدودة نحو ذلك البريق الزائف.
إن الكيان الحقيقي للإنسان لا يكمن في أصل وجود الثراء، فالتدرج سنة إنسانية، بل يكمن الشرح في غياب الذكاء العاطفي والحس الاجتماعي لدى من يمارسون الاستعراض الفج بلا مراعاة لمشاعر المحيطين بهم. ومع ذلك، فإن حماية النسيج المجتمعي وتحصين أبنائنا من هذا الانبهار الهش لا يبدأ بالشكوى، بل ينبع من البيت عبر إعادة بناء المناعة النفسية.
تبدأ هذه التنشئة بحماية فكر الطفل من تقزيم قيمة الإنسان في ممتلكاته، ليدرك أن قيمة المرء تُقاس بخُلقه وعطائه، لا بنوع سيارته أو ماركة ملابسه، ويلي ذلك تربية الأبناء على القناعة الواعية، بفهم أن الصور البراقة خلف الشاشات ليست سوى واجهات مقتطعة ومعدلة لا تسرد الحقيقة الكاملة.
كما يتأكد هذا البناء بكبح ثقافة الشراء للتباهي مع دمج الأبناء في أنشطة تطوعية ومجتمعية حقيقية تمنحهم فرصة الإندماج مع الواقع فتنمو لديهم الرحمة والذكاء الاجتماعي بدلاً من الترفع أو الشعور بالاستبعاد من المجتمع، وقبل هذا كله تبقى قدوة الوالدين في التواضع هي اللبنة الأولى، فحين يشاهد الطفل في بيته إنسانية متجردة ومراعاة صادقة لغير المقتدرين، يتشرب الرقي الحقيقي بشكل تلقائي.
وعلى الرغم من ذلك تظل "مصر" بكل أطيافها وبساطة ناسها هي الجذور الصافية التي تحتضن الجميع، بينما يبقى بريق "إيجيبت" مجرد قشرة طافية لا وزن لها إن انفصلت عن روح الوطن. فالرفعة الحقيقية لا تتجلى في الابتعاد عن قضايا المجتمع، بل في الغوص فيه بوعي، والتعاطف مع أبنائه، وغرس الاعتزاز بالجوهر قبل المظهر.