أراد والد «عبد الله النديم»، المعروف بخطيب ثورة عرابي، أن يلقب "الشيخ" عبد الله النديم، فألحقه بالكتاب ليتعلم القرآن ويحفظه ويلم بمبادئ القراءة والكتابة والحساب تمهيدًا لإلحاقه بالأزهر، وبالفعل نبغ عبد الله وختم القرآن ثم انكب على كتب التراث وعلم السلف ينهل منها، لكنه لم يلتحق بالأزهر ربما لضيق ذات اليد وربما لرغبته في العمل ومساعدة والده.
ولد عبد الله النديم، بقرية الطيبة بمحافظة الشرقية سنة
1845م ونشأ وتربي بالأسكندرية، يتصل نسبه بالحسن السبط، شغل بعض الوظائف، وأنشأ فيها
الجمعية الخيرية الإسلامية، وكتب مقالات كثيرة في جريدتى المحروسة، والعصر الجديد،
ثم أصدر جريدة "التنكيت والتبكيت" مدة، واستعاض عنها بجريدة سماها اللطائف
أعلن بها جهاده الوطني، وحدثت في أيامه الثورة العرابية، فكان من كبار خطبائها، فطلبته
حكومة مصر.
واستتر عشر سنين، ثم قبض عليه سنة 1309 هـ فحبس وأطلق على
أن يخرج من مصر، فبرحها إلى فلسطين وأقام في يافا وسمح له بالعودة إلى بلاده فعاد واستوطن
القاهرة، وأنشأ مجلة الأستاذ سنة 1310 هـ ونفاه الإنجليز ثانية، فخرج إلى يافا، ثم
إلى الأستانة فاستخدم في ديوان المعارف مفتشًا للمطبوعات في الباب العالى. وله كتب
منها: الساق على الساق في مكابدة المشاق، كان ويكون، النحلة في الرحلة، والمترادفات.
توفى بالأستانة عام (1314 هـ/1896).
وألف أكثر من 7 آلاف بيت شعر، وروايتين، أشهر كتبه الاحتفاء
في الاختفاء، اللآلئ والدرر في فواتح السور، والبديع في مدح الشفيع، وفي المترادفات
وللأسف لم يصلنا منها إلا مقتطفات.
عبد الله النديم كان يعمل نجارًا للعمل بترسانة الإسكندرية،
تم نفيه إلى الأستانة 1893م وتم منعه من الكتابة ولكنه اصطدم بأحد أفراد حاشية السلطان
عبد الحميد ويسمى أبا الهدى الصيادي مستشار السلطان وكان يسميه أبا الضلال وكتب فيه
كتاب (المسامير), أظهر الشيطان شخصية مهزومة أمام أبو الضلال في مقدمه و9 مسامير فكان
كتابه أحد نفائس فن الهجاء في التاريخ العربي.
في إقامته الإجبارية بتركيا تعطّلت مواهبه وتوقفت، وسكت فجأة
عمّا كان يطالب به الأدباتّي الزجّال الغرّيد والمعارض، ووجد في الأفغاني عزاء له وسلوةً
وفي الأمسيات كان الأستاذ والتلميذ يلتقيان تحت أشجار الحدائق التي خصصها عبد الحميد
لهما، يتذكران أيّام النضال وأحداث الثورة العرابية، ويطوّفان على سيرة الرفاق في سيلان
الذين قدم عهد المنفى بهم ويستعرضان دوحة الشباب وما كان فيها من وارف الأغصان، وعن
طريق الأستاذ تعرّف على وزراء وأعيان. لكن النديم لم ينس مصر، وعندما زار الخديوي عباس
الثاني الأستانة طلب منه العودة إليها فأجيب طلبه سنة 1895، وفعلًا قفز إلى الباخرة
يغمر قلبه الحنين إلى وطنه، ولكن جواسيس عبد الحميد أبرقوا على الفور إليه، فأوقفت
الباخرة وانتزع النديم منها وسيق إلى المنفى الذهبي من جديد.
بعد أشهر مرض النديم وتراجعت صحته، ونهش السلّ الرئوي صدره
وأحسّ بدنو أجله، فأخبر أمه وأخاه في مصر واستقدمهما، ولكن الموت جذبه إليه قبل أن
يصلا، فتوفيّ وحيدًا غريبًا عام 1896 دون أن يترك زوجًا أو ولدًا أو حطامًا، وكل ما
تركه سيرة عطرة وحياة حافلة.