أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر وأستاذ العلوم السياسية، أن افتتاح مشروع سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا يمثل محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الأفريقية، ويجسد بصورة عملية انتقال التعاون بين مصر ودول القارة من إطار العلاقات السياسية والدبلوماسية إلى شراكات تنموية قائمة على المشروعات والإنجاز وتبادل الخبرات، موضحا أن قيمة هذا المشروع لا تنحصر في كونه أحد المشروعات الكبرى في مجال الطاقة، وإنما فيما يحمله من دلالات سياسية واقتصادية واستراتيجية تؤكد أن مصر تنظر إلى أفريقيا باعتبارها فضاء واسعا للتعاون والتنمية والمصالح المشتركة، وأن حضورها في القارة يستند إلى الخبرة والكفاءة والقدرة على تقديم حلول حقيقية للتحديات التنموية التي تواجه الشعوب الأفريقية.
افتتاح سد نيريري
وقال فرحات إن مشاركة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسي، في افتتاح المشروع، تعكس الأهمية التي توليها الدولة المصرية لتعزيز علاقاتها مع الأشقاء في أفريقيا، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن مصر تؤمن بأن التنمية هي المدخل الأكثر استدامة لبناء علاقات متوازنة بين دول القارة، وأن دعم مشروعات البنية الأساسية والطاقة والمياه والنقل لا يمثل مجرد تعاون اقتصادي، وإنما استثمارا طويل الأجل في الاستقرار والتنمية وتحسين جودة الحياة، مشيرا إلى أن مصر حين تضع خبراتها وإمكاناتها في خدمة مشروعات تنموية داخل القارة فإنها لا تقدم نموذجا للمساعدة التقليدية، بل تؤسس لشراكة حقيقية تقوم على تبادل المنافع وبناء القدرات وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على امتلاك أدوات التنمية وصناعة مستقبلها بإمكاناتها الوطنية.
وأوضح نائب رئيس حزب المؤتمر أن مشروع «جوليوس نيريري» يقدم شهادة عملية على تطور قدرات الشركات والخبرات المصرية، التي أصبحت تمتلك خبرة متراكمة تؤهلها للمشاركة في تنفيذ المشروعات القومية والاستراتيجية الكبرى خارج الحدود، وهو ما يفتح أمام الاقتصاد المصري مجالا واسعا لتصدير الخدمات الهندسية والفنية والاستشارية والمقاولات، مؤكدا أن نجاح تجربة واحدة بهذا الحجم يجب ألا ينظر إليه باعتباره نهاية المطاف، وإنما باعتباره بوابة لمرحلة جديدة يكون فيها الحضور الاقتصادي المصري في أفريقيا أكثر تنظيما واتساعا واستدامة، بحيث تنتقل الشركات المصرية من تنفيذ المشروعات إلى بناء شبكات اقتصادية متكاملة تشمل الصناعة والتوريد والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والتدريب ونقل المعرفة.
أفريقيا تقف أمام احتياجات تنموية ضخمة
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن أفريقيا تقف أمام احتياجات تنموية ضخمة في قطاعات الطاقة والمياه والبنية التحتية والإسكان والنقل والاتصالات، وهو ما يجعلها واحدة من أهم دوائر الحركة الاقتصادية المصرية خلال السنوات المقبلة، لافتا إلى أن امتلاك مصر خبرات وطنية في تنفيذ المشروعات الكبرى يمنحها ميزة تنافسية مهمة ينبغي تعظيمها من خلال سياسات أكثر تكاملا لدعم التوسع في الأسواق الأفريقية، وتوفير آليات تمويل وضمانات ائتمانية وتأمينية مناسبة، وربط شركات المقاولات والصناعات الهندسية ومؤسسات التمويل والتصدير في منظومة واحدة قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، بما يحول الخبرة المصرية من قيمة فنية إلى قوة اقتصادية تدر عوائد مستدامة وتفتح أسواقا جديدة أمام المنتج والخدمة المصرية.
وأضاف فرحات أن «جوليوس نيريري» يعكس كذلك أهمية القوة الناعمة المصرية في أفريقيا، فالمشروعات الكبرى تترك أثرا يتجاوز الأرقام والتكلفة والعائد المباشر، لأنها تبني الثقة وتخلق معرفة متبادلة وتؤسس لعلاقات ممتدة بين الشعوب والمؤسسات، مؤكدا أن التجربة المصرية في تنزانيا تؤكد أن التنمية ليست مشروعا منفردا، وإنما عملية ممتدة تحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية متكاملة، معتبرا أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على نجاح «جوليوس نيريري» من خلال استراتيجية واضحة لتسويق الخبرات المصرية في القارة، وتحديد القطاعات التي تمتلك فيها مصر مزايا تنافسية، وتعزيز التعاون مع الحكومات والمؤسسات الأفريقية، بما يتيح للشركات المصرية الوصول إلى مزيد من المشروعات ويحول العلاقات السياسية المتميزة إلى شراكات اقتصادية أكثر عمقا، وهذا التوجه يتسق مع رؤية الدولة المصرية لتعزيز التعاون جنوب–جنوب، ودعم التنمية باعتبارها أساسا للاستقرار الإقليمي وبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
وأكد فرحات أن الرسالة الأهم التي يحملها افتتاح «جوليوس نيريري» هي أن مصر قادرة على أن تكون شريكا في صناعة التنمية الأفريقية، لا مجرد متابع لتطوراتها، وأن الخبرة المصرية عندما تقترن بالإرادة السياسية والدعم المؤسسي تستطيع أن تتحول إلى مشروعات ملموسة تصنع فارقا حقيقيا في حياة الشعوب، مشددا على ضرورة استثمار هذا النجاح في بناء حضور اقتصادي مصري مستدام داخل القارة، يجمع بين السياسة والاقتصاد والاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا، ويمنح الشركات المصرية مساحة أكبر للتحرك في الأسواق الأفريقية، بما يعزز مكانة مصر كدولة محورية في محيطها الأفريقي، ويكرس مفهوم «التنمية بالشراكة» باعتباره أحد أهم مداخل بناء مستقبل القارة.

