فتح خالد البلشي، نقيب الصحفيين، ملف أزمة قيد الصحفيين العاملين بالمواقع الإلكترونية، مؤكدًا أن معالجة أزمات المهنة لن تكون بالتغطية عليها، وإنما من خلال التعامل الجاد مع مسبباتها وفتح نقاش مؤسسي واسع داخل نقابة الصحفيين.
جاء ذلك في رسالة مطولة نشرها البلشي عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، تحت عنوان «أحلام القيد.. وجراح المهنة»، تناول خلالها أزمة قيد صحفيي المواقع الإلكترونية، ومستقبل المهنة، وسبل مد مظلة الحماية النقابية لجميع ممارسي الصحافة، إلى جانب مواجهة ظاهرة انتحال الصفة وضبط سوق العمل الصحفي.
وقال البلشي في مستهل رسالته: «أدرك أن هذه الرسالة ستثير الكثير من الاعتراضات، وستفتح الباب أمام هجومٍ لا يتوقف. لكن، أمام مستقبل المهنة، وحقوق ممارسيها، ومستقبل العاملين بها، لا سبيلَ إلا التعامل الجاد مع الوضع الراهن، وما خلّفه من تشوهات».
وأضاف: «فمعالجة الجراح لن تكون أبدًا بالتغطية عليها، بل بالتعامل الجاد مع مسبباتها، حتى لو كان آخر الدواء هو الكي، كما يقول المثل العربي، بدلًا من ترك هذه الجراح للتعفن، أو أن تُصاب بغرغرينا التيبس، بما يهدد بتسميم كامل للجسد».
أزمة القيد والقضايا المؤجلة
وتناول نقيب الصحفيين أزمة تقدم الإعلامي شريف عامر للقيد بنقابة الصحفيين، معتبرًا أنها أعادت إلى السطح قضية وصفها بأنها من أخطر أزمات الصحافة المصرية في الوقت الراهن، وهي قضية مد الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة، خاصة المتدربين والصحفيين العاملين في المواقع الإلكترونية.
وأوضح البلشي أن قطاعًا كبيرًا من الصحفيين، رغم الاعتراف بهم رسميًا من قبل الدولة، ورغم صدور القانون رقم 180 لسنة 2018 الذي اعترف بالصحافة الإلكترونية والرقمية ووضع تعريفات واضحة لها، لا يزالون يعملون دون حماية نقابية.
وأشار إلى أن هؤلاء لا يجدون ملاذًا، في ظل نصوص الدستور المصري التي جعلت لكل مهنة نقابة مهنية واحدة، سوى الحصول على حماية نقابة الصحفيين، إلا أن باب القيد مغلق أمامهم بسبب تفسيرات للنصوص القانونية، معتبرًا أن هناك حاجة للبحث عن مخارج لها حفاظًا على المهنة وبنيان النقابة.
كما رأى أن أزمة تقدم شريف عامر للقيد كشفت حجم الغضب المكبوت داخل قطاعات واسعة من الصحفيين والممارسين للمهنة، دفاعًا عن حقهم في الحصول على الحماية النقابية.
وأكد أن الوصول إلى هذا الحق يحتاج إلى نقاش جاد يتجاوز الانفعالات الحادة والغضب غير المؤطر، ويضع خريطة واضحة للمستقبل تراعي مصالح جميع الأطراف وتتجاوز مخاوف قطاع واسع من أبناء المهنة.
خطوات إضافية للنقابة
وتطرق البلشي إلى ما اتخذه مجلس النقابة الحالي من خطوات لصالح الاعتراف ببعض حقوق ممارسي المهنة من غير النقابيين، موضحًا أن المجلس أعلن بوضوح دفاعه عن جميع ممارسي المهنة، وسعى للتفاعل مع شكاواهم والتدخل في قضايا العمل لصالح قطاعات كبيرة منهم.
وأضاف أن النقابة دافعت عن حق غير النقابيين في ممارسة المهنة، وضم المحبوسين منهم إلى قوائم النقابة، وخاضت معركة الإفراج عن عدد ممن تم القبض عليهم من غير النقابيين، إلى جانب فتح أبواب النقابة لهم وإتاحة فرص التدريب.
وأشار إلى عدم التفرقة بين أعضاء النقابة والمتدربين في قضية مؤقتي الصحف القومية، والمطالبة بتفعيل النصوص القانونية على المتدربين من خلال إلزام الجهات بإرسال قوائم بأسمائهم كشرط لقبول القيد في المستقبل.
وأكد أن الأمر يتجاوز هذه الخطوات إلى ضرورة تحويلها إلى فعل قانوني ومؤسسي يعيد للصحفيين غير النقابيين حقهم في الحماية النقابية، من خلال فتح الباب بشكل قانوني أمام قيدهم والاعتراف بهم مؤسسيًا وقانونيًا، معتبرًا أن هذه الخطوة أصبحت «فرض عين على الجميع».
مكاسب المهنة والنقابة والسوق
وأوضح البلشي أن مد الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة لا يمثل مجرد إقرار بحق مسلوب، وإنما يعد أيضًا سبيلًا للحفاظ على المهنة وإصلاح أوضاعها وملاحقة أشكال تطورها، فضلًا عن دوره في ضبط السوق الصحفي.
وقال إن مد مظلة الحماية النقابية للجميع سيسمح بإغلاق الأبواب الخلفية أمام المنتحلين، وتفعيل سبل محاسبة المتجاوزين.
كما أكد أن مستقبل النقابة وقدرتها على التعبير عن الصحفيين ورعاية مصالحهم سيظل مرهونًا بانفتاحها على المستقبل، ومد الحماية لجميع ممارسي المهنة وتمثيلها لهم، تطبيقًا للنصوص الدستورية.
وأشار إلى أن مستقبل المهنة وتطورها رهن بمد النقابة مظلتها لحماية جميع العاملين بها، مؤكدًا أن ذلك ليس حقًا للصحفيين الإلكترونيين فقط، ولكنه يحقق أيضًا مصلحة الجماعة الصحفية والجهات التنفيذية من خلال تطبيق الضوابط النقابية على الجميع.
وأضاف أن عدم استغلال أخطاء بعض المواقع كذريعة للتضييق على عمل الصحف أو العصف بحرية الصحافة يمثل أحد الأهداف المهمة في هذا الإطار.
وأكد البلشي أن المواقع الإلكترونية أصبحت «الباب المفتوح» لتوسيع السوق الصحفي، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تحيط بالصناعة، وارتفاع تكاليف الطباعة، وتراجع البنية التحتية والمؤسسية لصناعة وشركات التوزيع، بعد خروج عدد كبير من الموزعين ومنافذ التوزيع من السوق.
ورأى أن المواقع الإلكترونية تمثل بابًا لاستيعاب أكبر عدد من ممارسي المهنة والعاملين والمبدعين داخل السوق الصحفية.
إعادة تفسير القانون وليس تعديله
ودعا نقيب الصحفيين إلى نقاش جاد حول سبل مد الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة بما يحافظ على حقوق جميع الأطراف، مقترحًا أن يكون أحد الأبواب هو إعادة تفسير النص القانوني الحالي لصالح المستقبل، مع وضع ضوابط صارمة تمنع دخول منتحلي الصفة.
وأوضح أن ذلك يمكن أن يتم من خلال قصر القبول على المواقع ذات البناء المؤسسي، التي تضمن علاقة عمل حقيقية مقابل أجر عادل، وتكفل ضمانات لاستمرار علاقة العمل، وتحفظ الحقوق المتبادلة بينها وبين النقابة.
كما اقترح تحديد حد أقصى للمقيدين وفقًا لطبيعة الموقع والمؤسسة التي تنطبق عليها الشروط المؤسسية، بما يمنع استغلال عدم شمول الحماية النقابية لقطاعات واسعة من الصحفيين لفتح أبواب لتمثيلهم عبر مؤسسات نقابية ناشئة يمكن إخضاعها.
وأشار البلشي إلى أن نظرة متأنية لفلسفة القانون وقت وضعه عام 1970 تكشف أن المشرع كان حريصًا على مد الحماية النقابية لجميع العاملين في المهنة باختلاف تنوعاتها وقت صدور القانون.
وأوضح أن القانون تحدث عن «الصحافة المطبوعة»، كما مد الحماية لصحفيي الوكالات، باعتبارها الشكل الوحيد خارج أدوات الطباعة ومفهومها وقت صدور القانون.
وأضاف أن القانون لم يقف عند هذا الحد، بل فتح باب الحماية النقابية من خلال الانتساب لمن يمارسون مهنة الصحافة حتى لو كانوا يعملون بوظيفة أخرى، وكذلك للصحفيين الأجانب والعرب المقيمين في مصر طوال مدة إقامتهم.
وأكد أن فلسفة القانون اتضحت من خلال حرص الجمعية العمومية في مراحل مختلفة على الحفاظ عليها، عبر توسيع مفهوم النص وتجاوز التفسيرات الضيقة ومواكبة التطور.
وأشار إلى أن ذلك حدث عند ظهور الصحافة الحزبية ثم الخاصة ثم مواقع الصحف الورقية، حيث أعيد تفسير القانون في كل مرة لصالح مد الحماية النقابية لكل ممارسي المهنة.
وأوضح أن هذه الرؤية المنفتحة تراجعت خلال السنوات الماضية، ما فتح الباب لاستغلال الوضع لصالح مؤسسات أخرى تدخلت للسيطرة على جانب من السوق، ومنحت صفة «صحفي»، وتركت الباب مفتوحًا أمام تغول منتحلي الصفة في ظل تراجع أدوات المحاسبة وضبط السوق.
وأكد أن النقابة تحاول حاليًا التعامل مع هذه الأزمة، لكن ترك مسبباتها دون حل سيساهم في تكريس الوضع الحالي وتفاقم الأزمة.
أزمة خطاب التفرقة
وتطرق البلشي إلى ما وصفه بـ«أزمة خطاب التفرقة بدلًا من الدفاع عن الحق»، مؤكدًا أن جانبًا من الأزمة قد يصنعه بعض صحفيي المواقع أنفسهم عندما تدفعهم حالة الغضب إلى عقد مقارنات غير محسوبة بينهم وبين أعضاء النقابة.
وأوضح أن هذه المقارنات قد يستغلها البعض لإثارة نعرات وتكريس التفرقة بين أبناء المهنة الواحدة، بدعوى فروق الكفاءة أو فقدان المعايير المهنية وغياب التطوير.
وأشار إلى أن القانون رقم 180 لسنة 2018 أعاد تعريف الصحفي، معترفًا بالصحافة الإلكترونية والمواقع والعاملين بها.
وأضاف أن مخاطبات نقابة الصحفيين للجهات التنفيذية استجابت جزئيًا لهذا التطور، وأكدت أن الصحفيين هم من يحملون كارنيه النقابة، أو العاملون في الصحف والمواقع المعتمدة من المجلس الأعلى للإعلام، أو المتقدمة لتوفيق أوضاعها بشرط الحصول على مؤهل عال.
ودعا إلى استكمال الطريق من خلال نقاش جاد داخل المهنة، يمر عبر الجمعية العمومية للنقابة، لإعادة صياغة اللائحة التنفيذية للقانون وقواعد القيد بما يتوافق مع فلسفة القانون ومستقبل المهنة.
مواجهة البطالة وضبط السوق وتطوير المحتوى
وأكد البلشي أن النقاش حول مد الحماية النقابية يجب أن يشمل آثاره على السوق الصحفي، وفي مقدمتها مواجهة البطالة وضبط السوق وتطوير المحتوى.
وأشار إلى أن المؤسسات القديمة لم تعد قادرة على حل العديد من المشاكل المتراكمة، وعلى رأسها البطالة، التي لن يمكن استيعاب المتضررين منها إلا من خلال المؤسسات الجديدة.
وأوضح أن غالبية المشروعات الجديدة في عالم الصحافة تسعى إلى تأسيس مؤسسات رقمية، معتبرًا أن إخضاعها للقواعد القانونية والنقابية يمكن أن يمثل بوابة للحل.
وأضاف أن ضم هذه المؤسسات يفتح الباب لضبط السوق من خلال اشتراطات الحد الأدنى والحصول على تدريبات محددة للاستمرار، كما يفتح المجال أمام الخبرات داخل المؤسسات القديمة التي تسعى إلى تقليص الأعداد أو التخلص منها.
وأشار إلى أن قدرة المؤسسات الرقمية على الوصول إلى أعداد أكبر من المواطنين والمستخدمين الجدد تفتح الباب أمام مناقشة سبل تطوير الصحف الورقية وتحويلها إلى مراكز تأثير عبر صحافة أكثر عمقًا وتخصصًا.
تنقية الجداول والتصدي لتجارة العضوية
وأوضح البلشي أن الانفتاح مع وضع قواعد شديدة الصرامة للقيد سيفتح الباب لاتخاذ إجراءات نقابية لتنقية الجداول، وهو ما بدأت النقابة في تنفيذه حاليًا.
وأشار إلى أن ذلك يسمح بتحديد حجم السوق والعاملين فيه، بما يتيح مواجهة جادة مع منتحلي الصفة، واستكمال الإجراءات التي بدأت بها النقابة مؤخرًا، وإعادة استيعاب المهنيين الحقيقيين داخل السوق المتسع.
وأكد أن المخاوف من ضم الصحافة الإلكترونية يجب مواجهتها وبحث سبل السيطرة عليها، خاصة في ظل استيعاب أعداد كبيرة من العاملين فيها عبر التراخيص القديمة التي اتسعت نسخها الرقمية بينما تراجعت طبعاتها الورقية.
ورأى أن إعادة تفسير النصوص لصالح تجاوز هذه العقبة قد توجه جانبًا من الأموال التي تنفق للحفاظ على الشكل إلى تطوير المؤسسات ووسائطها الورقية والرقمية، وإنتاج محتوى صالح للوسائط المتعددة ويلبي احتياجات القارئ.
وأوضح أن ذلك قد يساهم في التصدي لتجارة العضوية واستغلال بعض المؤسسات لضيق السوق الصحفي الورقي للتجارة بأحلام ممارسي المهنة وحل أزمات قيد صحفيي المواقع عبر طرق خلفية.
رفض الحلول القسرية
وشدد البلشي على أن النقاش يجب أن يمر عبر بوابة الجمعية العمومية، رافضًا أي محاولة لفرض هذه الرؤية بالقوة.
وقال إن أي محاولة لفرض الحلول قسرًا ستفاقم الأزمة بدلًا من حلها، مشيرًا إلى ما وصفه بخطابات تدعو مجلس النقابة إلى فرض هذه الرؤية على الجمعية العمومية باعتباره سلطة عليا وليس قيادة منتخبة.
وأكد أن هذا الخطاب «مرفوض تمامًا»، لأنه يكرس السلطوية بدلًا من فتح الباب لنقاش ديمقراطي حقيقي وحر يحافظ على مصالح جميع الأطراف.
وأضاف أن الحلول القسرية لا تصنع مستقبلًا، وإنما تعبر عن انحيازات أصحابها فقط، بما يخلق مقاومة قد تتسبب في تقويض أي مكتسبات لاحقًا.
خطر الانغلاق ومستقبل النقابة
ودعا نقيب الصحفيين إلى العمل من أجل المستقبل وإزالة مخاوف القطاعات التي تخشى على مستقبل المهنة والنقابة، مؤكدًا أن الحل يكمن في الاندماج مع المستقبل وملاحقة أدوات تطوره، وليس الاحتماء بالنصوص القديمة.
وحذر من أن بقاء الوضع الحالي قد يفتح الباب أمام استغلاله من جانب من وصفهم بـ«لصوص القيد»، أو مستغلي الأوضاع الحالية للنيل من قوة النقابة وإضعافها، من خلال إضعاف تمثيلها لجموع ممارسي المهنة.
وأشار إلى مخاطر نشوء سلطات موازية أو نقل قطاعات من الصحفيين إلى مؤسسات نقابية أخرى بحثًا عن الحماية، بما يؤدي إلى إضعاف جميع الأطراف أو الانشغال بصراع داخلي على حساب المهنة.
وأكد أن الحل سيبقى بيد الجماعة الصحفية ونقابتهم التي يجب أن تظل الممثل الحقيقي لجموع ممارسي المهنة، وأن تتصدى لمحاولات شق الصف حولها.
المستقبل يفرض نفسه
واختتم خالد البلشي رسالته بالتأكيد على أن المستقبل سيفرض نفسه، محذرًا من أن تصل نقابة الصحفيين إلى مرحلة تتراجع فيها قدرتها على مواكبة التطورات، في الوقت الذي تسعى فيه مؤسسات أخرى إلى الحلول محلها وفرض سطوتها على السوق الصحفي.
وأكد أن إغلاق الأبواب أمام منتحلي الصفة لن يكتمل إلا من خلال بسط الحماية النقابية على ممارسي المهنة الحقيقيين، بما يسمح للنقابة بضبط السوق الصحفي ومحاسبة المتجاوزين.
ودعا إلى بدء نقاش جاد داخل أروقة النقابة حول سبل وعقبات مد المظلة النقابية لتشمل جميع ممارسي المهنة الحقيقيين، بما يتيح حمايتهم ومحاسبة المتجاوزين أو من ينتحلون صفة صحفي لتحقيق مكاسب شخصية.
وقال البلشي إنه يدرك أن هذه الدعوة ستثير الكثير من الاعتراضات، لكنه شدد على أن إغلاق النوافذ أمام النقاش هو الخطر الحقيقي على المهنة والنقابة والصحفيين أنفسهم.
ودعا إلى بدء النقاش فورًا من خلال جلسات مفتوحة لجميع الأطراف تحت مظلة النقابة، على أن يكون الهدف صناعة رؤية متماسكة للمستقبل تقدم حلولًا متنوعة، ولا يتم إقرارها إلا من خلال الجمعية العمومية.