دعت ملكة الأردن رانيا العبدالله ، الشباب حول العالم إلى الدفاع عن الحق ومواجهة الظلم وازدواجية المعايير، مؤكدة أن الانحياز للحقوق ليس مجرد موقف عاطفي، بل مسؤولية أخلاقية تتطلب الوعي والمعرفة والاستناد إلى الأدلة، إلى جانب اتخاذ مواقف واضحة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
جاء ذلك خلال مشاركتها، الثلاثاء، في افتتاح قمة «عالم شاب واحد» بمدينة كيب تاون في جنوب إفريقيا، بحضور أكثر من 2200 قائد شاب من أكثر من 190 دولة.
واستهلت الملكة رانيا ، كلمتها بالتعبير عن حزنها إزاء الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك، مؤكدة أن هذا العنف غريب عن الأردن ويتعارض مع قيمه ومبادئه، وأن ألم العائلات التي فقدت أحباءها هو ألم يشاركها فيه الشعب الأردني بأكمله.

الملكة رانيا: الغضب من الظلم ليس ضعفًا
وأكدت الملكة رانيا ، أن الأجيال الجديدة تواجه تحديات عالمية غير مسبوقة، لكنها تتعامل معها بوعي وفضول وعمق فكري، مشددة على رفض التقليل من مواقف الشباب أو التشكيك في دوافعهم لمجرد أنهم ينتمون إلى جيل جديد أو يدافعون عن قضايا يؤمنون بعدالتها.
وأوضحت أن الغضب من الظلم لا يمثل ضعفًا أو نقيضًا للعقلانية، بل يعكس الوعي والاهتمام بالقضايا الإنسانية، محذرة من استخدام التجاهل والتهميش وسيلة لإسكات الأصوات المطالبة بالحقوق.
واستشهدت في هذا السياق بالجدل الدائر حول الاحتجاجات الطلابية المناصرة لفلسطين، وما يصاحبها أحيانًا من تشكيك في معرفة المشاركين بتاريخ القضية، رافضة تعميم هذه الأحكام أو التقليل من وعي الشباب.
كما استحضرت تجربة النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، مشيرة إلى أن الزعيم الراحل نيلسون مانديلا واجه بدوره محاولات التجاهل والتهميش، وكان يؤكد أن حرية بلاده لا تكتمل دون حرية الفلسطينيين.
معاناة الفلسطينيين وازدواجية المعايير الدولية
وتطرقت الملكة رانيا إلى ما وصفته بتصاعد التجاهل الدولي تجاه القضية الفلسطينية، معربة عن ألمها لاستمرار معاناة سكان قطاع غزة، ومشيرة إلى أن آلاف الفلسطينيين الذين خرجوا إلى شوارع القطاع المدمرة قبل عام، احتفالًا بما اعتقدوا أنه نهاية لمعاناتهم، اكتشفوا أن وقف إطلاق النار «لا وجود له إلا بالاسم».
كما سلطت الضوء على الأوضاع في الضفة الغربية، وما يتعرض له الفلسطينيون من حواجز عسكرية ومداهمات واستيلاء على الأراضي وعنف المستوطنين، إلى جانب الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في الخليل، التي شملت إغلاق مناطق وإجبار سكان على مغادرة منازلهم وهدمها.
وانتقدت ازدواجية المعايير الدولية، معتبرة أن تغاضي بعض الدول عن الانتهاكات الإسرائيلية والتهوين من شأنها أصبح نهجًا في سياساتها الخارجية، في المقابل أشادت بموقف جنوب إفريقيا ومقاضاتها إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
الملكة رانيا: الأدلة أقوى سلاح في مواجهة الإنكار
وحثت الملكة رانيا الشباب على عدم السماح بإسكات أصواتهم، وتعزيز مواقفهم بالمعرفة والأدلة، بدلًا من الاكتفاء بالتفاعل مع المحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، داعية إلى الاطلاع على التقارير والتحقق من مصادر المعلومات ودقة الأرقام.
وأكدت أن الأدلة تمثل أقوى سلاح في مواجهة الإنكار والتشكيك، وأن الحقائق لا تتغير باختلاف الروايات أو بمدى قدرة أصحابها على التأثير في الرأي العام.
وشددت على أن إدراك المعاناة الإنسانية لا يتطلب الإلمام بكل تفاصيل الصراعات، قائلة: «لستم بحاجة إلى معرفة الإحداثيات الجغرافية لمستشفى ما لتدركوا أنه لا يجوز قصفه»، مؤكدة أن حماية الإنسان وكرامته لا ينبغي أن تتأثر بدينه أو لون بشرته أو هويته.
وفي ختام كلمتها، دعت إلى مواصلة التضامن مع الشعب الفلسطيني وعدم التخلي عن حقه في الحرية، مستحضرة نضال جنوب إفريقيا ضد الفصل العنصري، ومعربة عن أملها في أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه نضال الفلسطينيين من أجل حريتهم جزءًا من التاريخ، في فلسطين حرة.
لقاءات الملكة رانيا في جنوب إفريقيا
وتُعد قمة «عالم شاب واحد» فعالية سنوية تستضيفها مدينة مختلفة كل عام، وتجمع قادة شبابًا من أنحاء العالم لتعزيز التواصل وتبادل الخبرات وتشجيع القيادات الشابة. وتُقام نسخة العام الجاري في كيب تاون على مدار أربعة أيام، إحياءً للذكرى الخمسين لانتفاضة سويتو، التي شكلت محطة مفصلية في نضال جنوب إفريقيا ضد نظام الفصل العنصري.
وخلال وجودها في كيب تاون، زارت الملكة رانيا مؤسسة ديزموند وليا توتو الإرثية، والتقت غراسا ماشيل، أرملة نيلسون مانديلا والمدافعة عن حقوق النساء والأطفال، كما التقت البروفيسور محمد يونس، الحائز جائزة نوبل للسلام.