مع اقتراب مصر من تطبيق منظومة الدعم النقدي بدلًا من الدعم العيني، تتجه الأنظار إلى شكل النظام الجديد وانعكاسه المباشر على ملايين المواطنين المستفيدين من بطاقات التموين، خاصة مع الحديث عن منح المستحقين قيمة مالية تتيح لهم اختيار احتياجاتهم بدلًا من الحصول على سلع محددة.
وتدرس الحكومة تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتبارًا من يناير 2027، في إطار جهود تطوير منظومة الحماية الاجتماعية وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة أكبر، بما يمنح الأسر حرية أوسع في توجيه الدعم وفق احتياجاتها الأساسية.
هل يحصل المواطن على أموال «كاش»؟
ورغم تداول مصطلح «الدعم النقدي»، فإن التصور المطروح لا يرتبط بالحصول على أموال نقدية مباشرة، بل يقوم على تخصيص قيمة مالية للمستفيد تُضاف إلى البطاقة التموينية، ليستخدمها المواطن في شراء احتياجاته الأساسية من المنافذ المعتمدة.
بذلك تتحول البطاقة التموينية إلى أداة أكثر مرونة، تتيح للمواطن حرية الاختيار بين السلع المختلفة، بدلًا من الارتباط بحصص أو أصناف محددة، وهو ما يمنح الأسر قدرة أكبر على ترتيب أولوياتها وفق احتياجاتها الفعلية.
الدعم النقدي أكثر كفاءة بشروط
في هذا السياق، قال الدكتور رمضان مَعْن، رئيس قسم الاقتصاد والمالية العامة بجامعة طنطا، إن الدعم النقدي يُعد من الناحية الاقتصادية أكثر كفاءة مقارنة بالدعم العيني، لأنه يمنح المواطن حرية اختيار احتياجاته الفعلية، ويحد من بعض أوجه الهدر والتكلفة المرتبطة بتداول السلع وتوزيعها.
وأوضح أن نجاح هذه المنظومة يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها دقة تحديد المستحقين، ووجود قواعد بيانات محدثة، إلى جانب مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية حتى تتماشى مع معدلات التضخم وتحافظ على القوة الشرائية للمواطن.
وأضاف أن الدعم العيني كان يضمن وصول سلع أساسية للمواطن بصورة مباشرة، لكنه في المقابل كان يفرض عليه أنماطًا محددة من الاستهلاك، بينما يمنح الدعم النقدي مرونة أكبر للأسر في إدارة احتياجاتها.
وأشار إلى أن الأفضل للمواطن ليس نوع الدعم في حد ذاته، وإنما قدرة الدولة على توفير منظومة عادلة تضمن وصول الدعم لمن يستحقه، مع الحفاظ على قيمة المخصصات المالية وعدم تأثرها بتقلبات الأسعار.

بين الحرية والحماية الاجتماعية
ويرى خبراء الاقتصاد أن التحول إلى الدعم النقدي يمثل خطوة نحو تطوير منظومة الحماية الاجتماعية، إذ يمنح المواطن حرية أكبر في اتخاذ القرار الشرائي، لكنه في الوقت ذاته يتطلب آليات رقابة فعالة على الأسواق وضمان استقرار الأسعار، حتى لا تتآكل القيمة الحقيقية للدعم.
وفي ظل هذه المتغيرات، يبقى التحدي الرئيسي أمام الدولة هو تحقيق التوازن بين منح الأسر مرونة أكبر في الإنفاق، وضمان استمرار الدعم كأداة فعالة لتخفيف الأعباء المعيشية، خاصة للفئات الأكثر احتياجًا.
في الختام، فإن الانتقال من الدعم العيني إلى الدعم النقدي لا يمثل مجرد تغيير في طريقة تقديم المساندة للمواطنين، بل يعد تحولًا في فلسفة إدارة الدعم نفسها، من تحديد ما يحصل عليه المواطن إلى منحه القدرة على اختيار ما يحتاج إليه، بما يعزز كفاءة الإنفاق ويحقق قدرًا أكبر من العدالة الاجتماعية.

