التحول نحو الدعم النقدي ليس مجرد إجراء مالي لتقليص عجز الموازنة، بل هو إعادة هيكلة شاملة لمنظومة العدالة الاجتماعية، حيث يكمن نجاح هذا التحول في حتمية توافر ثلاثة عناصر: قاعدة بيانات رقمية دقيقة، آلية مرنة لمواجهة التضخم، ورقابة صارمة على الأسواق لضمان ألا يتحول الدعم النقدي إلى وقود جديد لزيادة الأسعار.
المقصود بالدعم النقدي وأثره اقتصاديا
المقصود بـ "الدعم النقدي" (أو ما يُعرف بالتحويلات النقدية) هو تقديم معونات مالية مباشرة وبشكل دوري للأسر الأكثر احتياجاً، بدلاً من تقديم السلع التموينية العينية كالدقيق والزيت والسكر، حيث يمثل هذا التوجه فلسفة اقتصادية واجتماعية حديثة تتبناها الدول لإصلاح هيكل الحماية الاجتماعية.

وتهدف إلى تحويل بطاقة الدعم من مجرد أداة لاستلام حصص تموينية محددة المفروضة سلفاً، إلى "محفظة مالية ذكية" تمنح المواطن القوة الشرائية الكاملة والمرونة المطلقة لترتيب أولوياته المعيشية اليومية وفقاً للحاجة الفعلية لأسرته، سواء كانت هذه الحاجة رعاية صحية طارئة، أو دفع مصروفات تعليمية، أو شراء سلع غذائية نوعية، مما يعزز كرامة المواطن واستقلالية قراره الاقتصادي.

على الصعيد الاقتصادي، يستند التحول نحو الدعم النقدي إلى ركائز هيكلية تضمن كفاءة الإنفاق العام وتعظيم الاستفادة من الموازنة العامة للدولة؛ حيث يُسهم هذا النظام بشكل حاسم في إغلاق منافذ الفساد التاريخية المرتبطة بالدعم العيني، ويقضي تماماً على ظاهرة "تسرب الدعم" إلى السوق السوداء التي تلتهم جزءاً كبيراً من مخصصات الحماية الاجتماعية نتيجة عمليات تهريب السلع التموينية والدقيق المدعم.
ويتيح الدعم النقدي للدولة خفض النفقات الإدارية واللوجستية الضخمة المتعلقة بعقود الشحن، والتخزين، والتوزيع، والرقابة على الآلاف من منافذ البيع والمخابز، وتوجيه تلك الوفورات المالية مباشرة لتحسين جودة الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، أو لزيادة مبالغ الدعم الممنوحة للأسر الأشد فقراً والأولى بالرعاية.
المزايا الكلية لتطبيق نظام الدعم النقدي
تستند صياغة المنظومة النقدية الجديدة إلى حزمة من المكاسب الاقتصادية والاجتماعية الموثقة، من أبرزها:
كفاءة الاستهداف وسد منافذ الفساد: القضاء الكامل على "تسرب الدعم" والسوق السوداء؛ فالأموال تذهب مباشرة إلى المستحق دون وسيط، مما يمنع التلاعب بالسلع أو تهريب الدقيق المدعم.

حرية القرار الاقتصادي للأسرة: يحصل المواطن على رصيد مالي يمنحه المرونة المطلقة لتحديد أولوياته المعيشية (غذاء، تعليم، صحة) بدلاً من إجباره على نمط استهلاك سلعي محدد.
تقليص النفقات الإدارية: تنخفض تكاليف الشحن، والتخزين، والرقابة اللوجستية المعقدة، مما يوفر مبالغ ضخمة للموازنة العامة يمكن توجيهها لتحسين جودة الخدمات الأساسية.
تاثير التحول للدعم النقدي على منظومة الخبز
أثار توجه الحكومة نحو التحول إلى منظومة الدعم النقدي للخبز تساؤلات واسعة بين المستهلكين وأصحاب قطاع المخابز، وسط مخاوف من تأثير بعض التفاصيل الفنية المتعلقة بتضخم التكاليف في بعض الفترات بسبب الأزمات، بالإضافة إلى نوعية الدقيق المستخدم بعد تحرير الأسعار وآليات الحصول عليه، بالإضافة إلى تأثير أوزان الأرغفة على جودة المنتج النهائي وقدرته على المنافسة.

واكدت تقارير صحفية، عن شعبة المخابز باتحاد الصناعات المصرية، أن أصحاب المخابز لن تتغير طبيعة عملهم بشكل جوهري في ظل المنظومة الجديدة، لكن هناك إشكالية تتعلق بالمساواة في سعر بيع الخبز رغم اختلاف نوعية الدقيق المستخدمة في الإنتاج.
واضافت أن الخبز الحر المنتج من دقيق استخراج 72% يباع حاليا بسعر 1.5 جنيه للرغيف لوزن يتراوح بين 60 و70 جراما للرغيف، بينما تتجه الدولة إلى بيع الخبز على منظومة الدعم بالسعر نفسه رغم إنتاجه من دقيق استخراج 87.5%.
خفض وزن رغيف الخبز يثير المخاوف
أثار تصريح وزير التموين بشأن خفض وزن الرغيف إلى 70 جراما، مقارنة بالوزن الحالي البالغ 90 جراما، مخاوف المواطنين على مستقبل رغيف الخبز.

وعلى مدار 12 عاماً ماضية، انخفض وزن رغيف الخبز المدعم بصورة كبيرة، ففي عام 2014 خفضته وزارة التموين بنحو 20 جراما من الرغيف ليقل إلى 110 جرامات بدلاً من 130 جراما قبلها، ثم في أغسطس 2020، تم خصم 20 جراما إضافية إلى 90 جراما، مع ثبات سعر رغيف الخبز وقتها عند 5 قروش للرغيف.

وفي عام 2024 قررت الحكومة زيادة سعر رغيف الخبز إلى 20 قرشا مع بقاء الوزن عند 90 جراما، والمتوقع أن يقل وزنه في المنظومة المقترح العمل بها قريبا إلى 70 جراما وفق تصريحات وزير التموين شريف فاروق، ليأتي اقتراح شعبة المخابز بغرفة القاهرة التجارية ليثير القلق بشكل أكبر، بتقليل عدد الأرغفة المخصصة لكل مواطن بدلا من خفض وزن الرغيف للحفاظ على جودته، حيث من الممكن الإبقاء على وزن الرغيف عند 100 أو 110 جرامات مع تقليل عدد الأرغفة الممنوحة للمواطن.
مراجعة مستمرة لقيمة الدعم النقدي
أكد وزير التموين، أن 83% من المستفيدين من برنامج "تكافل وكرامة" يستحقون الحصول على الدعم التمويني، موضحًا أن جميع أشكال الدعم التي تقدمها الدولة تندرج ضمن شبكة حماية اجتماعية متكاملة تستهدف الفئات الأولى بالرعاية.

وأشار إلى أن المواطن المستفيد يحصل شهريًا على 150 رغيف خبز مدعم، بالإضافة إلى 50 جنيهًا مخصصة للسلع التموينية الأساسية، لافتًا إلى أن هذه القيمة كانت تغطي في السابق احتياجات محددة مثل زجاجة زيت وكيلو سكر وكيس مكرونة، إلا أن تغير الأسعار يستدعي مراجعة مستمرة لقيمة الدعم.

وأوضح أن مخصصات الدعم بوزارة التموين ارتفعت إلى نحو 180 مليار جنيه سنويًا، مؤكدًا أن الحكومة تدرس حاليًا قيمة الزيادة الجديدة في الدعم النقدي بما يضمن توفير دعم مناسب يخفف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
تنقية البطاقات التموينية واستبعاد غير المستحقين
وفي إطار جهود ضبط منظومة الدعم، أوضح وزير التموين أن الوزارة تنفذ حاليًا عمليات تنقية شاملة للبطاقات التموينية بهدف استبعاد غير المستحقين وضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا.

وأشار إلى رصد عدد من المخالفات التي تمثلت في ترك بعض أصحاب البطاقات التموينية بطاقاتهم للغير للحصول على السلع المدعمة دون وجه حق، مؤكدًا أن هذه الممارسات تتعارض مع فلسفة الدعم الاجتماعي التي تستهدف دعم الأسر المستحقة فقط.
وشدد على أن الدولة تمتلك القدرة الكاملة على توفير الدعم اللازم للمواطنين المستحقين، مع العمل على تعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق أعلى درجات الكفاءة في إدارة منظومة الدعم.









