مع تصاعد التهديدات البحرية العالمية وتحول عدد من الممرات والمجالات البحرية إلى ساحات للتنافس الاستراتيجي، يفتح معرض «يورونافال 2026» (EURONAVAL 2026) أحد أكبر وأقدم المعارض الدولية المتخصصة في الدفاع والأمن البحري والتكنولوجيا العسكرية البحرية، أبوابه خلال الفترة من 3 إلى 6 نوفمبر الجاري، بمركز المعارض «باريس-نورد فيلبانت» شمال العاصمة الفرنسية.
وتكتسب الدورة الثلاثون من المعرض أهمية استثنائية في ظل التوترات الممتدة من المحيطين الهندي والهادئ إلى مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، مروراً بالبحر المتوسط والبحر الأسود، وصولاً إلى أعماق البحار التي تحتضن الكابلات والبنى التحتية الاستراتيجية، باعتبارها منصة دولية لمناقشة مستقبل الأمن البحري والتحديات التي تواجه الدول.
وفي هذا السياق، يُسلط المعرض الضوء على التحديات المرتبطة بالنزاعات وحرية الملاحة وحماية التدفقات التجارية، والقدرة على مواصلة العمليات العسكرية لفترات طويلة، فضلًا عن ضمان احترام القانون الدولي، وهي قضايا باتت تفرض نفسها بقوة في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة.
وذكرت وزارة الجيوش الفرنسية أن فرنسا، بصفتها الدولة المضيفة وثاني أكبر مصدر للسلاح في العالم، تضع مجموعة من الأولويات في صدارة مشاركتها بالمعرض، تتمثل في دعم صناعة دفاعية ذات سيادة وتنافسية، وتوظيف الابتكار لتعزيز التفوق العملياتي، وإعداد بحرية قادرة على خوض نزاعات عالية الكثافة، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي في خدمة الأمن البحري الجماعي.
وفي رسالتها بهذه المناسبة، أكدت وزيرة الجيوش الفرنسية كاترين فوترين، أن معرض «يورونافال» الذي يشكل منذ عام 1968 حدث بارز في قطاع الصناعات البحرية العالمية، يمثل ملتقى دوليا تُبنى من خلاله شراكات تمتد لعقود.
وأشارت إلى أن الكفاءة الفرنسية في مجالات الغواصات والفرقاطات وأنظمة الدفع النووي والطائرات المسيرة تستند إلى خبرات متراكمة، وكفاءة الإدارة العامة للتسلح (DGA)، والخبرة العملياتية والميدانية للبحارة، فضلا عن الشراكات طويلة الأمد مع العديد من الدول، مؤكدة أن «لا أمة تستطيع أن تخطط لأمنها بمفردها».
وعلى مدى أيام المعرض، تشارك وفود أجنبية تمثل أكثر من 30 جنسية، إلى جانب المصنعين والبحارة، في مؤتمرات وجلسات حوار ومقابلات وورش عمل تتناول التحولات الكبرى في مجال القتال البحري، والدفاع السيبراني للأساطيل ذاتية التشغيل، والاتصالات المرنة في البيئات المتنازع عليها، واستخدام الطائرات المسيرة في العمليات تحت الماء، وتطوير المنصات البحرية القادرة على الصمود، والتحول نحو أنظمة القتال المعتمدة على البرمجيات.
وتتركز محاور المعرض كذلك على التحولات والقدرات التي تراهن عليها البحرية الوطنية الفرنسية لمواجهة تحديات النزاعات عالية الكثافة، في ظل بيئة استراتيجية تشهد تغيرات عميقة وتطورا متسارعا في أساليب القتال البحري.
وترى فرنسا أن الحرب الروسية الأوكرانية تمثل عودة الحروب عالية الكثافة إلى القارة الأوروبية، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى تطوير القدرات الدفاعية الأوروبية. وبالنسبة إلى البحرية الفرنسية، يتجسد هذا التحدي بصورة خاصة في الحفاظ على حضورها وقدرتها على تقدير الموقف في الجناح الشرقي لأوروبا، بالتنسيق مع الحلفاء.
كما تبرز التحديات الأمنية في جنوب أوروبا والشرق الأدنى والشرق الأوسط، حيث تنعكس الأزمات في هذه المناطق مباشرة على الأمن البحري الدولي؛ فقد أدت هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ على السفن إلى تعزيز تدابير حماية الملاحة التجارية بصورة مستدامة.. وتذكر باريس في هذا السياق أن بحريتها تشارك في هذه المهام، ولا سيما في إطار العملية البحرية الأوروبية «أسبيدس» (ASPIDES) الهادفة إلى حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر.
أما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فتتمتع فرنسا بحضور جغرافي واستراتيجي مميز بين الدول الأوروبية، بفضل أقاليمها فيما وراء البحار واتساع مجالها البحري، بما يمنحها وجودا دائما في المنطقة. وتشير الرؤية الفرنسية إلى أن الحفاظ على حرية الملاحة والاستقرار الإقليمي واحترام القانون الدولي يمثل رهانا استراتيجيا كبيرا في هذه المنطقة.
وفي الوقت نفسه، لم يعد التنافس الاستراتيجي مقتصرا على سطح البحار أو الممرات الملاحية، بل امتد إلى أعماقها، حيث تمر الكابلات البحرية وغيرها من البنى التحتية الحيوية التي تحمل شبكات الاتصالات والبيانات، ما يجعل مراقبتها وحمايتها مسألة ترتبط مباشرة بالسيادة الوطنية والأمن الجماعي.
وتأتي هذه الدورة لمعرض يورونافال بالتزامن مع احتفال البحرية الوطنية الفرنسية بمرور 400 عام على تأسيسها، لتشكل فرصة لإبراز أربعة قرون من الخبرة البحرية المتراكمة، إلى جانب القدرات التي تعمل فرنسا على تطويرها لمواكبة متطلبات المستقبل.
ويتزامن هذا العام أيضا مع الإعلان عن اسم حاملة الطائرات الفرنسية المستقبلية «فرانس ليبر» (France Libre)، التي تمثل أحد أبرز مشروعات فرنسا الاستراتيجية في المجال البحري.
وأوضحت الوزيرة كاترين فوترين، أن امتلاك حاملة طائرات يعبر عن إرادة سياسية وتاريخية راسخة للحفاظ، على مدى العقود المقبلة، على قدرة فرنسا على اتخاذ القرار والتحرك بصورة مستقلة، كما يضمن مستقبل الصناعة الفرنسية وكفاءاتها والوظائف التي توفرها في مختلف الأقاليم.
وأشارت إلى أن القتال البحري لم يتوقف، على مدى 400 عام، عن التطور والتجدد، منوهة إلى أن السفن أصبحت تتعرض لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على حد سواء؛ ولذلك، فإن الاستعداد للنزاعات عالية الكثافة يتطلب زيادة الإنتاج، وتكييف المعدات بسرعة أكبر، وتعزيز قدرات إصلاح السفن وتزويدها بالوقود وإعادة تسليحها، بما يضمن صمودها وقدرتها على مواصلة العمليات لفترات طويلة.
وفي إطار الاحتفال بمرور 400 عام على تأسيس البحرية الفرنسية، يقدم جناح البحرية الوطنية، في ختام المعرض يوم الجمعة 6 نوفمبر، تجربة غامرة بتقنية الواقع الافتراضي تحت عنوان «400 عام من تاريخ البحرية». وبصوت البحرية، يستكشف الزوار أربعة قرون من المهام والابتكارات، بدءا من مكتب الكاردينال ريشيليو وصولا إلى سطح حاملة الطائرات «شارل ديجول»، من خلال مقاربة عملياتية للبيئة البحرية تتكامل مع المعدات المعروضة في المعرض.
ويبرز معرض «يورونافال 2026» عودة المجال البحري إلى صدارة الحسابات الاستراتيجية والعسكرية، في ظل تهديدات لم تعد تقتصر على السفن والممرات الملاحية، بل امتدت إلى أعماق البحار وبناها التحتية والكابلات الحيوية.
وبين حماية حرية الملاحة وتطوير القدرات الدفاعية والتكنولوجية، بات الأمن البحري جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي للدول، في معادلة تؤكد أن حماية السيادة لم تعد تبدأ من الحدود البرية بل من أعمق نقطة في البحر. فأمن البحار وأمن اليابسة وجهان لعملة واحدة، وكل دولة مطلة على البحر مدعوة اليوم إلى تحصين محيطها البحري وتحديث قدراتها الدفاعية، ضماناً لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية واستقرار أرضها.