وصلني هذا الكتاب منذ فترة . وهو كتاب صغير الحجم، أخضر الغلاف، عنوانه «ظلال طه حسين: خصومة مجهولة في مرايا التأويل»، للدكتور مصطفى سليم، أصدرته الهيئة العامة لقصور الثقافة. قرأته في جلسة واحدة، ثم أعدت قراءته، ثم تركته على الطاولة أياماً، وكنت كلما مررت به نظرت إليه نظرة من يتجنب النظر إلى شيء يعرف أنه سيوقظ فيه أسئلة لا يحب أن يوقظها.
ذلك أنني، منذ زمن، صرت أتهيب الكتب التي تحمل في عنوانها كلمة «ظلال». فالظل ليس شيئاً هيناً.
الظل هو ما يبقى بعد أن يذهب صاحبه، وهو ما لا يستطيع أحد أن ينكره، حتى لو أنكر الأصل. والذين كتبوا عن الظل في تراثنا كثيرون، ولكن أقربهم إلى موضوعنا هذا رجل أعمى كتب عن رجل أعمى؛ طه حسين حين كتب «مع أبي العلاء في سجنه». ولم يكن يعلم، وهو يكتب عن سجن أبي العلاء، أنه هو نفسه سيتهم يوماً بأنه حَبَسَ باحثاً شاباً في سجن من نوع آخر، سجن لا جدران له، ولكن أبوابه تغلق دون أن يسمع أحد صوت المفتاح.
يبدأ مصطفى سليم كتابه بخصومة ظلت مغيبة في ثنايا الأرشيف. خصومة بين الدكتور نجيب البهبيتي وعميد الأدب العربي.
وليست هذه من الخصومات المشهورة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، كتلك التي دارت بين طه حسين ومصطفى صادق الرافعي أو الشيخ محمد الخضري. تلك قضايا حضرت في الوعي والوجدان، وكتبت فيها المقالات والكتب، وظلت حاضرة على مر العقود. أما خصومة البهبيتي فقد بقيت في الظل، تماماً كما يقول عنوان الكتاب.
والمفارقة التي لا أستطيع أن أتجاوزها دون وقفة، أن كتاباً عن الظل يبقى هو نفسه في الظل. فمن يقرأ اليوم البهبيتي؟ ومن يذكر أن له كتابين في تاريخ الشعر العربي وأبي تمام؟ لقد غُيِب الرجل من الذاكرة الثقافية العربية، وطواه النسيان، لصالح أسماء أخرى كثيرة. وهذا التغييب - سواء كان مقصوداً أو غير مقصود- هو في ذاته جزء من سياسات الذاكرة والنسيان التي تمارسها المجتمعات تجاه ماضيها.
يدور جوهر الاتهام في هذه القضية حول قيام طه حسين - دون أن يسميه البهبيتي صراحة في البداية - بحبس أطروحته للماجستير، «أبو تمام الطائي حياته وحياة شعره»، تسع سنوات كاملة.
تسع سنوات. توقفت عند هذا الرقم طويلاً. لماذا تسع؟ هل هي تسع بالضبط أم تسع تقريبية؟ لا يهم. المهم أن تسع سنوات ليست فترة قصيرة في حياة باحث شاب يخطو خطواته الأولى. إنها عمر أكاديمي كامل، يمكن أن يضيع فيه حماسه وحيويته الفكرية، بل يمكن أن تنطفئ فيه جذوة الإبداع. وهذه المسألة ليست هينة في حياة أي مفكر أو أديب.
ولكن الأهم من الرقم هو ما يعنيه. فحبس أطروحة بهذا الشكل ليس مجرد تأخير إداري يمكن تبريره بالروتين أو بكثرة الأعمال. إنه يتجاوز ذلك ليكون فعلاً رمزياً بامتياز، يعبر عن ممارسة للسلطة الأكاديمية بأقسى صورها. سلطة القادر على منح الدرجات العلمية أو حجبها، سلطة من يملك مفاتيح التقدم والتأخر، سلطة من بيده الأمر والنهي في مؤسسة علمية عريقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه لماذا لم يسم البهبيتي طه حسين صراحة في اتهاماته، رغم وضوح القضية في ذهنه؟ هل هو خوف من سلطة رمزية كانت لا تزال مهيمنة؟ أم لياقة أكاديمية تمنع الاتهام المباشر؟ أم لعبة التلميح والإشارة التي تعمق الغموض وتجعل القارئ شريكاً في اكتشاف الحقيقة؟
أميل إلى الاحتمال الثالث، مع شيء من الأول. ففي ثقافتنا، ليس التصريح دائماً هو الشجاعة، وليس التلميح دائماً هو الجبن. أحياناً يكون التلميح أشد فتكاً من التصريح، لأنه يترك الجرح مفتوحاً دون أن يجد صاحبه ما يدافع به عن نفسه. والبهبيتي، حين لم يسم، إنما كان يقول لنا انظروا إلى الظل، واعرفوا صاحب الظل دون أن أنطق باسمه.
عندما قرأت أن البهبيتي جاء من المغرب إلى القاهرة، تذكرت شيئاً لم أستطع أن أدفعه عن نفسي. القاهرة كانت المركز المتألق، منارة العلم والفكر في العالم العربي. والمغربي كان يأتي من الأطراف البعيدة، حاملاً أحلامه وطموحاته وذكاءه الحاد وثقافته الموسوعية، يبحث عن المعرفة والشهرة والمكانة، فإذا به يجد نفسه في مواجهة غير متكافئة مع سلطة المركز.
وهذه الديناميكية جدلية المركز والأطراف، ما تزال فاعلة في حياتنا الثقافية حتى اليوم، وإن اختلفت أشكالها. فالمركز يميل بطبيعته إلى فرض معاييره وقوالبه، والأطراف إما أن تتكيف طلباً للاعتراف، أو تقاوم فتقصى وتهمش.
وليس هذا خاصاً بنا، بل هو ظاهرة عامة في تاريخ المؤسسات الثقافية في كل مكان. غير أن ما يميز حالتنا هو حدة هذه الجدلية، وضعف الآليات المؤسسية التي تحمي الأطراف من تعسف المركز.
وقد قرأت أن البهبيتي خرج من جامعة القاهرة، أو أُخرج منها، فلا يزال السؤال قائماً هل أخرج أم ترك؟ ، وكتب علي العميم عن هذا في «الشرق الأوسط» عام ٢٠٢٢ في مقالين. وهذا الاهتمام المتأخر يدل على أمرين: أن قضايا تاريخنا الثقافي لا تموت، بل تنتظر من يوقظها؛ وأن الصحافة الثقافية، إذا أحسنت، يمكن أن تؤدي دوراً تغفله المؤسسات الأكاديمية الرسمية.
ثم ينتقل الكتاب إلى قضية أخرى أكثر إثارة وتعقيداً اتهامات البهبيتي للدكتور ناصر الدين الأسد بانتحال كتابه «مصادر الشعر الجاهلي» من كتابين للبهبيتي هما «تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري» و«أبو تمام حياته وحياة شعره».
وهنا لا بد لي من الاعتراف بشيء. أنا ممن شغلهم، ولا يزالون، موضوع «السرقات الأدبية». ليس لأنني أحب أن أفتش في أدراج الآخرين، بل لأنني أرى في هذا الموضوع مفتاحاً لفهم طبيعة الكتابة نفسها. فكل كتابة هي، بوجه من الوجوه، إعادة كتابة. وكل مؤلف هو، بوجه من الوجوه، ناسخ. والفرق بين التأثر المشروع والتقليد المبرر والسرقة المحضة ليس فرقاً في الجوهر، بل في الدرجة، وفي الاعتراف أو عدم الاعتراف. ومن لا يعترف بذلك يخدع نفسه.
وقد شهدت ساحتنا الثقافية اتهاماتٍ متبادلة بالانتحال بين عدة أعلام كبار، فمن ذلك ما وجه إلى طه حسين نفسه من اتهامات بسرقة أفكار فرح أنطون، إلى اتهامات أخرى طالت كتاباً ومفكرين كباراً. وهذه الظاهرة تستحق دراسة جادة، لا بغرض توجيه الاتهامات أو تبرئة الأعلام، ولكن بوصفها تعبيراً عن أزمة في المنهج العلمي والنزاهة الأكاديمية في مرحلة تأسيسية مهمة من تاريخنا الثقافي.
وقد تصدى الدكتور محمد إبراهيم حور للرد على اتهامات البهبيتي في دراسة محكمة نشرها تحت عنوان «الشعر الجاهلي ومناهج بحثه بين كتابين»، ضمن كتاب تذكاري بعنوان «قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدين الأسد». وهذا الرد يضعنا أمام معضلة منهجية هي كيف نتحقق من صحة الاتهام أو ننفيه، في ظل غياب آليات مؤسسية مستقلة ومحايدة؟ وكيف نفرق بين التأثر والتقليد والسرقة، دون محكمة علمية تحسم الأمر؟ إنها أسئلة لا تزال بلا إجابة، وغياب الإجابة هو في ذاته إجابة.
بالتأكيد لا يقلل كشف هذه الخصومة من مكانة طه حسين العظيمة. فالكبار مثل الجبال، لهم ظلالهم الوارفة التي يستظل بها الناس، ولهم أيضاً جوانبهم المظلمة التي لا تخلو منها أي شخصية بشرية. والنقد الموضوعي لا ينفي إنجازاته الهائلة في تحديث الدرس الأكاديمي العربي، ودفاعه المستميت عن حرية الفكر، وإسهاماته الأدبية والنقدية التي شكلت وعي أجيال متعاقبة.
ولكن هذه الخصومة تذكرنا بأن طه حسين كان في النهاية إنساناً له ما للإنسان من فضائل ونقائص، قبل أن يكون رمزاً معلماً. وكان أكاديمياً يمارس السلطة بكل أبعادها داخل مؤسسة هرمية صارمة. وقد تكون ممارسته لتلك السلطة تعبيراً صادقاً عن ثقافة أكاديمية سائدة في ذلك الزمان، أكثر مما تكون شذوذاً فردياً. إنها ثقافة المؤسسة التي كانت تمارس التوجيه والاحتواء والحجب والإقصاء وفق أعرافها.
وهنا أود أن أضيف إن نقد طه حسين كفرد ليس كافياً. المشكلة ليست في طه حسين وحده، بل في نظام أكاديمي يمنح الفرد سلطة مطلقة على مصائر الباحثين، ولا يخضع لرقابة مؤسسية فاعلة. وإذا أردنا أن نستفيد من هذه القضية، فلا يكفي أن نندد أو نتعاطف، بل يجب أن نطالب بإصلاح البنية ذاتها.
يبقى السؤال الأكبر لماذا ظلت هذه الخصومة مجهولة أو مغيبة طوال هذه العقود؟ لماذا لم تصل إلى وعي الأجيال كما وصلتهم خصومات أخرى؟
الإجابة تكمن في طبيعة انتقائية الذاكرة الثقافية العربية، التي تميل إلى تخليد الصراعات المعلنة والمشهورة، وتغفل الصراعات الخفية. كما أن هيمنة سرديات بعينها على كتابة تاريخنا الثقافي، وسيادة روايات معينة عن أعلامنا الكبار، تجعلنا نغفل عن الجوانب التي لا تتفق مع الصورة النمطية المثالية التي رسمناها لهم.
ومن يملك سلطة تحديد ما يذكر وما ينسى؟ ومن يقرر أي الأعمال تستحق البقاء وأيها تستحق الطمس؟ أليس هذا في ذاته شكلاً من أشكال السلطة التي تتخفى وراء الحياد العلمي؟
يأتي كتاب «ظلال طه حسين» ليدفعنا إلى إعادة قراءة تاريخنا الثقافي بعيون نقدية، تتجاوز التمجيد الأعمى أو القدح المقيت. إن كشف مثل هذه الخصومات المجهولة يساعدنا على فهم أعمق لكيفية تشكل الحقل الثقافي العربي الحديث، ويكشف عن آليات الإقصاء والتهميش التي مارستها مؤسساتنا - وما زالت تمارسها بدرجات متفاوتة.
والدرس الأهم ليس فضح سلطة طه حسين أو إنصاف نجيب البهبيتي، بل الدعوة إلى بناء مؤسسات قائمة على التعددية والشفافية والمساءلة، وإلى تطوير آليات للحفظ والتوثيق تحفظ الذاكرة من الانتقائية والنسيان.
فوراء كل عظيم من عظمائنا ظلال كثيفة من القضايا والمظالم والهفوات، شكلت السياق الذي أنتج عظمته. والفهم المتكامل لا يكتمل إلا بالنظر إلى الظل كما ننظر إلى النور.
وبعد، فماذا عساي أقول في كتاب صغير في حجمه، كبير في مضمونه؟ أقول إنني أغبط صاحبه على الجرأة، وأحسده على الصبر، وأخشى عليه من مصير البهبيتي نفسه أن يقرأ كتابه، ثم ينسى، ثم يأتي بعد عشرين عاماً من يكتب عنه كتاباً عنوانه «ظلال مصطفى سليم».
وهل ينتهي هذا التسلسل من الظلال؟ لا أظن. فكل كاتب ظل لكاتب آخر، وكل كتاب ظل لكتاب آخر، ونحن جميعاً نسير في ظلال من سبقونا، ونترك ظلالاً لمن سيأتون. والسؤال الذي لا أجد له جواباً من يكتب ظل الظل؟