يستغرب كثير من الركاب خفوت أضواء مقصورة الطائرة قبيل الإقلاع والهبوط، ويظنون أن الهدف هو تهيئة أجواء هادئة أو مساعدة الركاب على الاسترخاء لكن الحقيقة أن هذا الإجراء البسيط يحمل خلفه فلسفة سلامة دقيقة، تهدف إلى حماية الأرواح في حال وقوع أي طارئ خلال أكثر مراحل الرحلة خطورة.
إجراء قياسي تحكمه قواعد السلامة لا الراحة
يؤكد خبراء الطيران أن خفض الإضاءة داخل المقصورة ليس له علاقة بتوفير الطاقة أو راحة الركاب، بل هو إجراء قياسي تطبقه جميع شركات الطيران حول العالم ضمن بروتوكولات السلامة الصارمة.
فمرحلتا الإقلاع والهبوط تُعدان الأكثر خطورة في أي رحلة جوية، إذ تقع نسبة كبيرة من الحوادث خلالهما وفي حال حدوث طارئ، يكون على طاقم الطائرة إخلاء جميع الركاب خلال نحو 90 ثانية فقط، وهو تحدي زمني بالغ الحساسية.
تهيئة العين للظلام تفصيلة حاسمة وقت الطوارئ
يوضح الكاتب والمحلل المتخصص في صناعة الطيران لوك بوديل أن خفوت الأضواء يسمح لأعين الركاب بالتكيف المسبق مع الإضاءة المنخفضة، ما يسهل عليهم رؤية علامات وممرات الطوارئ بوضوح إذا انقطعت الكهرباء فجأة.
وتشير الدراسات إلى أن العين البشرية تحتاج إلى وقت للتأقلم مع الظلام، إذ يبدأ التكيف السريع خلال أول خمس إلى عشر دقائق، بينما قد يستغرق التكيف الكامل قرابة 30 دقيقة هذا التكيف المسبق قد يصنع الفارق بين الارتباك وسرعة الاستجابة.
تجنب “العمى المفاجئ”
عند انقطاع الكهرباء
من جانبه، يشرح الطيار والمؤلف باتريك سميث في كتابه Cockpit Confidential أن خفض الإضاءة يمنع ما يُعرف بـ"العمى المفاجئ"، الذي قد يصيب الركاب إذا انطفأت الأنوار فجأة وهم في بيئة مضاءة بقوة.
كما يساعدهم على رؤية المسارات الإرشادية المضيئة والشعور بالاتجاه الصحيح داخل المقصورة.
لماذا يُطلب رفع ستائر النوافذ؟
لا يقتصر الأمر على الإضاءة فقط، إذ يطلب طاقم الضيافة من الركاب رفع ستائر النوافذ أثناء الإقلاع والهبوط، خاصة في الرحلات النهارية.
والهدف من ذلك تمكين الطاقم من مراقبة الوضع خارج الطائرة بصريا، ما يسمح بالكشف المبكر عن أي حريق أو عطل ميكانيكي أو حتى اصطدام بالطيور.
الإضاءة الذكية عندما تخدم الراحة والسلامة معا
في الرحلات الليلية الطويلة، قد يُستخدم خفوت الإضاءة لأغراض الراحة، حيث تعتمد الطائرات الحديثة أنظمة إضاءة ذكية تُحاكي شروق وغروب الشمس لتقليل إرهاق الركاب.
دروس من حوادث حقيقية
تظهر الوقائع أن الالتزام بهذه الإجراءات قد ينقذ الأرواح ففي حادثة رحلة Air Busan 391، جرى إخلاء الطائرة بالكامل بعد اندلاع حريق أثناء التوجه للمدرج دون تسجيل أي وفيات، بفضل سرعة استجابة الطاقم والتزام الركاب بالتعليمات.
في المقابل، كشفت مأساة رحلة Aeroflot 1492 كيف يمكن للتأخير في الإخلاء، ومحاولة بعض الركاب جمع أمتعتهم، أن يؤدي إلى نتائج كارثية بعد اندلاع حريق في مؤخرة الطائرة عقب هبوط صعب.
تفاصيل صغيرة فارق كبير في النجاة
يؤكد خبراء الطيران أن إجراءات تبدو بسيطة مثل خفوت الإضاءة ورفع الستائر، إلى جانب التدريب المستمر لطاقم الطائرة على الإخلاء السريع، تمثل عناصر حاسمة في منظومة السلامة الجوية فهي تفاصيل دقيقة، لكنها قد تكون الفاصل بين الفوضى والنجاة في اللحظات الحرجة.
ففي عالم الطيران، لا يُترك شيء للصدفة حتى الظلام، يكون أحيانا وسيلة للحياة.





