بين حكاية أوبرا ارتبطت بتاريخ مصر، وتأملات فلسفية تبحث عن معنى الحياة، وقراءة نقدية للنظام الاقتصادي العالمي، ورؤية تعليمية تمنح الخيال دورا في اكتشاف العلوم، يقدم المركز القومي للترجمة، التابع لوزارة الثقافة، أربعة إصدارات جديدة أو يعيد تسليط الضوء عليها، تتباين موضوعاتها ومجالاتها، لكنها تلتقي في قدرتها على توسيع مدارك القارئ وفتح مسارات مختلفة لفهم الفن والإنسان والمجتمع والمعرفة.
وتمنح هذه الكتب القارئ فرصة للانتقال بين عوالم فكرية متنوعة؛ من أجواء «عايدة» وصراعات أبطالها، إلى قضايا السعادة والحياة الخيّرة، مرورا بمراجعة أفكار الليبرالية الجديدة وتأثيرها في المجتمعات، وصولا إلى أساليب أكثر إبداعا في تعليم العلوم الأساسية، بما يعكس اتساع خريطة الترجمة وانفتاحها على قضايا تتجاوز حدود التخصص الواحد.
«عايدة».. حكاية الحب التي صنعت مجد الأوبرا
من مصر القديمة، يستعيد كتاب «عايدة»، الذي ترجمه وقدمه عباس أبو غزالة، واحدة من أشهر الحكايات في تاريخ الأوبرا العالمية، في صيغة روائية مرسومة تجمع بين السرد والصورة، وتعيد تقديم قصة تتشابك فيها مشاعر الحب والغيرة مع الولاء للوطن وصراعات السلطة.
وتعود نشأة أوبرا «عايدة» إلى عام 1871، عندما كلف الخديوي إسماعيل عالم المصريات الفرنسي أوجيست مارييت بإعداد قصة مستوحاة من التاريخ المصري القديم، تليق بمكانة مصر الثقافية وتنافس الأعمال التي تقدمها المسارح الأوروبية، وأسند العمل الموسيقي إلى المؤلف الإيطالي جوزيبي فيردي، بالتعاون مع الشاعر أنطونيو جيزلانزوني في صياغة النص.
وتدور أحداث الحكاية حول القائد المصري راداميس الذي يقع في حب عايدة، الأسيرة الإثيوبية وابنة ملك بلادها، بينما تحبه أمنيريس، ابنة فرعون، وتشتعل الغيرة في قلبها. وبين الحب والواجب، يجد راداميس نفسه أمام اختبار قاس، بعدما يقع في صراع بين مشاعره وانتمائه، لتنتهي الحكاية بمأساة حين يُحكم عليه بالدفن حيا، وتختار عايدة أن تشاركه مصيره، بينما تبقى أمنيريس وحيدة أمام الفقد.
ولا يكتفي الكتاب باستعادة أحداث العمل الأوبرالي، بل يمنح القارئ فرصة لاكتشاف عالمه الدرامي والبصري، والاقتراب من حكاية تجاوزت حدود المسرح لتصبح جزءا من الذاكرة الفنية العالمية.
«أهمية الأشياء».. ما الذي يجعل حياتنا جديرة بأن تُعاش؟
ومن الفن إلى الفلسفة، يقدم المركز كتاب «أهمية الأشياء: الفلسفة والحياة الخيّرة»، للكاتبة جان كازيز، وترجمة عواطف شلبي، الذي يفتح بابا للتأمل في سؤال إنساني قديم ومتجدد: ما الحياة الخيّرة؟ وما الذي يمنح وجودنا قيمته ومعناه؟
تنطلق المؤلفة من مجموعة من التساؤلات حول العناصر التي لا تستقيم الحياة دونها، وتلك التي تظل اختيارات شخصية، مستعينة بآراء الفلاسفة القدماء والمعاصرين، ونماذج من التاريخ والأدب، إلى جانب مواقف من الحياة اليومية.
ويناقش الكتاب مجموعة من المقومات الأساسية للحياة الجيدة، من بينها السعادة والتعبير عن الذات والاستقلالية والالتزام الأخلاقي، كما يتناول أهمية ترتيب الأولويات، والتمييز بين ما يحتاج إليه الإنسان وما يمكن أن يضيفه إلى حياته من اختيارات تتجاوز حدود الضرورة.
ويمتد النقاش إلى أسئلة أكثر عمقا تتعلق بالزوال والفناء، وقيمة الحياة في ظل حقيقة أن كل شيء مآله إلى النهاية، ودور الدين في فهم معنى الحياة ومواجهة فكرة الفناء، مقدما رؤى متعددة تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مسلّماته وما يستحق أن يمنحه وقته واهتمامه.
«التحول الكبير».. هل يمكن بناء اقتصاد يضع الإنسان أولا؟
وفي سياق أكثر ارتباطا بالواقع الاقتصادي والاجتماعي، يأتي كتاب «التحول الكبير.. التخلص من الليبرالية الجديدة»، من تأليف جيرار ديمونيل ودومينيك ليفي، وترجمة فوزية العشماوي، ليقدم قراءة نقدية لأحد أبرز النماذج الاقتصادية التي أثرت في المجتمعات المعاصرة.
يناقش الكتاب تحولات النظام الاقتصادي الذي بات يمنح الأولوية للأرباح والإنتاجية، ويختزل قيمة الإنسان في قدرته على العمل والمنافسة، بينما تتحول الخدمات الأساسية إلى سلع ترتبط فرص الحصول عليها بالقدرة على الدفع.
ويرصد المؤلفان انعكاسات هذا النموذج على القوة الشرائية وجودة التعليم والحماية الاجتماعية والبيئة، موضحين كيف أسهمت هيمنة المصالح الاقتصادية في تعميق أوجه التفاوت الاجتماعي وتراجع الاهتمام بالصالح العام.
ولا يتوقف الكتاب عند تشخيص الأزمة، بل يطرح تصورا بديلا يقوم على التعاون والمساواة والعدالة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للديمقراطية والصالح العام، والحد من هيمنة المصالح المالية والصناعية، وصولا إلى نموذج اقتصادي يجعل الإنسان غايته الأساسية، ويعيد توجيه التنمية لخدمة المجتمع بدلا من اختزالها في تحقيق الأرباح.
«الإبداع في تدريس العلوم الأساسية».. حين يصبح الخيال طريقا إلى المعرفة
أما في مجال التعليم والتربية، فيقدم المركز كتاب «الإبداع في تدريس العلوم الأساسية»، من تأليف روجر كيتنج وأورلا كيلي، وترجمة هبة ربيع، ومراجعة أيمن عامر، الذي يناقش أهمية إدخال الإبداع إلى عمليتي التعليم والتعلم، وتجاوز الأساليب التقليدية في تدريس العلوم.
ويستند الكتاب إلى مجموعة من الأدلة والحجج التي تؤكد ضرورة تقديم المعرفة العلمية من خلال أنشطة وتجارب مبتكرة، تتيح للأطفال اكتشاف المفاهيم بأنفسهم، وتنمي خيالهم وقدرتهم على التساؤل والتجريب، بدلا من الاكتفاء بتلقي المعلومات وحفظها.
كما يتناول عددا من القضايا التربوية، من بينها المفاهيم العلمية الخاطئة، والبحث العلمي، وتوظيف التكنولوجيا، والتفكير الإبداعي في التقييم، إلى جانب استعراض أساليب تعليمية تعتمد على الدراما والفنون والتعلم في الأماكن المفتوحة، بما يساعد على ربط العلوم بالحياة اليومية وتقديمها بصورة أكثر تفاعلية.
ويطرح الكتاب رؤية تتجاوز تطوير طرق التدريس إلى إعادة التفكير في طبيعة العملية التعليمية نفسها، باعتبارها مساحة لاكتشاف المواهب وبناء عقول قادرة على التحليل والابتكار، انطلاقا من أن العلم لا يبدأ دائما بإجابة جاهزة، بل كثيرا ما يبدأ بسؤال يفتح الطريق أمام اكتشاف جديد.
وتكشف هذه الإصدارات الأربعة عن تنوع الموضوعات التي يحرص المركز القومي للترجمة على إتاحتها للقارئ العربي، فلا تقتصر المعرفة على مجال واحد، بل تمتد من الفنون والآداب إلى الفلسفة والاقتصاد والتعليم، في محاولة لفتح نوافذ جديدة على تجارب العالم وأفكاره، وإثراء المكتبة العربية بأعمال تساعد القارئ على فهم واقعه، وإعادة اكتشاف الأسئلة التي تشكل حياته ومستقبله.