قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

خديجة بنت سحنون.. بنت الأئمة ومفتية زمانها


أنجبت مدينة القَيْروان في تونس خلال فترة إزدهارها العلمي ونبوغ حضارتها أكابر العلماء والمحدِّثين والفقهاء من الرجال والنساء، كان من بينهن العالمة والفقيهة الجليلة خديجة بنت الإمام سحنون التي بلغت في علمها وأدبها مراتب عليا وشأناً عظيماً.
هي بنت الإمام سحنون واسمه عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي الفقيه وقاضي قضاة القيروان صاحب "المُدَوَّنة" في الفقه المالكي، والذي يعد المرجع الأساس للمذهب المالكي ،وقد انتهت إليه رئاسة العلم في المغرب ، وكان زاهدًا لا يهاب سلطانًا في حق يقوله، وكان رفيع القدر، عفيفًا، أبي النفس ، توفي سنة 240هـ.
وهي أخت العالم الكبير محمد صاحب أول رسالة في التربية والتعليم التي تحمل عنوان " آداب المعلمين "، والذي قال عنه ابن الجزار الطبيب الأديب المؤرخ: "كان إمام عصره في مذهب أهل المدينة بالمغرب، سمحاً بما له، كريماً في معاشرته، نفّاعاً للناس، مطاعاً، جواداً بماله وجاهه، وجيهاً عند الملوك والعامة، جيد النظر في الملمات" ، وكان ــ أي أخوها محمد ــ فقيهًا مالكيًا مناظرًا، كثير التصانيف. لم يكن في عصره أحد أجمع لفنون العلم منه، رحل إلى المشرق سنة 235هـ ، ونقل إلى القيروان فدفن فيها، ورثي بثلاثمائة مرثية، كان كريم اليد، وجيهًا عند الملوك، عالي الهمة، وتوفي سنة 256 هــ .
وتربت العالمة والفقيهة خديجة في " دار سحنون" الشهيرة بالقيروان التي نوّه بها المؤرخون وأصحاب الطبقات ، وقال عنها ابن حارث: قام سؤدد العلم في دار سحنون نحو مائة عام وثلاثين عاماً من ابتداء طلب سحنون وأخيه إلى موت ابن ابنه محمد بن محمد بن سحنون"، وفي كتاب " تاريخ القيروان" لأبي بكر عبد الله بن محمد المالكي قال: "اجتمعت في سحنون خِلالٌ قَلّما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصرامة في الحق، والزَّهَادة في الدنيا، والتخشّن في المَلْبس والمَطْعم، والسماحة. ولم يكن يهاب سلطاناً في حق، شديداً على أهل البدع، انتشرت إمامته، وأجمعوا على فضله "، ولقد لُقِّب بسحنون تيمُّناً بطائر قويّ البصر، لِحدّته في مسائل الفقه وشدة ذكائه.
وصف القاضي عياض في كتابه "ترتيب المدارك وتقريب المسالك بمعرفة أعلام مذهب مالك" خديجة بنت سحنون بقوله : " كانت من خيار النساء ومن أحسنهن وأعقلهن" ، ووصف أصحاب الطبقات تلاميذ ابن سحنون ومن بينهم إبنته خديجة بقولهم: كان أصحاب سحنون مصابيح في كل بلدة وعددهم نحو سبع مائة رجل ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجلسه.
وكانت خديجة من العلماء الكبار والعالمات القيروانيات ممن أخذوا عن أبيها سحنون وساروا على دربه ومنهجه. وقد كان نساء زمانها يستفتينها في مسائل الدين، ويقتدين بها في معضلات الأمور لما منحها الخالق جل ثناؤه من كمال العقل والمدارك العالية ، وقد وردت أخبار عنها من ذلك أن سحنون حينما علم بقرار تعيينه قاضياً بالقيروان تَمَنَّع وتمَلَّص فأغلظ عليه الأمير محمد بن الأغلب أشد الغِلظة، وحلف عليه بأشد الأَيْمان حتى وافق، فبلغ به الغم والحزن لعِظَم الأمر عليه أنّ أحداً من الناس لم يجرؤ على تهنئته، ويروى أنه دخل على ابنته خديجة حينما عُرض عليه تولي القضاء قائلاً: "اليوم ذُبح أبوك بغير سكين ".
كما قال القاضي عياض في ترتيب المدارك: كانت خديجة عاقلة، عالمة، ذات صيانة ودين. وكان أبوها يحبها حبًا شديدًا، ويستشيرها في مهمات أموره. حتى إنه لما عرض عليه القضاء لم يقبله إلا بعد أخذ رأيها، وكذا كان يفعل أخوها محمد بعد وفاة أبيهما.
وقال أبو داود العطار: أرسلني أبو جعفر أحمد بن لبدة ابن أخي سحنون لأخطب له خديجة من أبيها وكانت من أحسن النساء، وأعقلهن، فذكرت ذلك لسحنون فقال لي: هممتُ بذلك، وسكت، ثم أتاه ابنه محمد فاستشاره ولم يُجب الخطبة، أي لم يوافق ، وتوفي سحنون فأرسلني ابن لبدة إلى محمد ابنه، فذكرت ذلك له فقال: كيف أتجاسر على ما لم يصنعه أبي؟ ، فسكت عنه حتى توفي محمد، فأرسلني إليها فقالت: ما لم يفعل أبي وأخي أنا أصنعه؟ لا أفعل أبداً.
ويذكر أحد المؤرخين أن الذي منع خديجة من الزواج بقريبها العالم الحياء والحشمة التي فُطرت عليها وكأنها أرادت احترام نيّة والدها وأخيها ولو أدّى ذلك الانقباض إلى تضحية شبابها والاقتصار على أشغال حياتها بما يُرضي الرب من صلاة وعبادة ونصيحة وإفادة
وقال عنها عمر رضا كحالة في كتابه " أعلام النساء ": من ربات العقل والرأي والعلم والفضل والدين والصلاح، وأخذت العلم عن أبيها حامل لواء مذهب مالك بالمغرب، واستفتاها نساء عصرها في مسائل الدين، وكانت قدوة صالحة لهن في معضلات الأمور.
وماتت خديجة بنت سحنون وهي بِكر في سنة 270 هـ، ودُفنت حذو أبيها بمقبرتهم المشهورة بهم قرب مقام الصحابي أبي زمعة البلوي رضي الله عنه.