كان لا بد لهذا المكان أن يكون هكذا. بهذه الضخامة، وبهذا الصمت المهيب الذي يليق بآلهة كانت تمشي على الأرض يوماً. لا يمكنك أن تختصر سبعة آلاف عام في مبنى إداري مكون من ثلاثة أدوار. لا يمكنك أن تحشر رمسيس الثاني في غرفة زجاجية مكيفة، أو أن تضع مراكب الشمس في علبة عرض وكأنها مجسمات لمادة التاريخ المدرسية.
لذلك، عندما وقفت أمام الواجهة الضخمة للمتحف المصري الكبير، شعرت للحظة أن الزمن قد توقف، أو ربما عاد إلى نقطة الصفر. ليس مجرد مبنى، إنه معبد حديث، بوابته الضخمة تخاطب في داخلك ذلك الجزء البدائي الذي يؤمن بأن للحجر روحاً، وأن للماضي قدرة على التمدد كي يلمس المستقبل.
نصف مليون متر مربع.. الرقم لا يعني شيئاً في البداية، لكنه يتحول إلى إحساس عندما تبدأ في المسير. مساحة تذكرك بأنك أمام مشروع كوني، ليس مجرد متحف. إنه محاولة لخلق حوار بين الإنسان المعاصر وأسلافه الذين اخترعوا الخلود. هناك فلسفة خفية في المساحات الشاسعة هنا، تقول لك إن مصر لا يمكن اختزالها، إنها تتسع دائماً لتستوعب دهشتك.
السير في قاعات المتحف يشبه القراءة في كتاب مفتوح، لكن الكتاب ليس عن التاريخ فقط. إنه عن الهوية. ربما لهذا السبب أصر القائمون على التنظيم المعاصر الذي يبدأ من الدولة الحديثة ويمر بالوسطى والقديمة، وكأنهم يرسمون خريطة لنهر الزمن، تعكس تياراً مستمراً لا ينقطع. إنها إجابة صامتة عن سؤال من نحن؟. نحن لسنا مجرد ورثة لهذه الحضارة، نحن امتداد لها، نتنفس ذات الهواء الذي تنفسه هؤلاء، وننظر إلى ذات الشمس التي عبدوها.
المدهش في الأمر أن هذا التنظيم الضخم يخلق حالة من التناغم العجيب. أنت تنتقل من كآبة التوابيت الحجرية في عصور الاضمحلال إلى بهاء الذهب في عصر التوسع والإمبراطورية، فتخرج وأنت تحمل في عقلك صورة متكاملة عن شعب عاش الموت والحياة بنفس القدر من الشغف.
لكن الوصول إلى قلب هذا الرواق الأبدي، هو عبورك إلى جناح توت عنخ آمون.
هنا، يتوقف التحليل التاريخي، ويتحول الكلام إلى نبض. عندما تقف أمام قناعه الذهبي، أو أمام توابيته المتداخلة كشرائح من ضوء متحجر، لا تسأل عن فن الصنعة أو دقة التفاصيل. تسأل نفسك: كيف استطاع إنسان بهذا الجسد الهش أن يحمل كل هذا الرمز؟ كيف يمكن لصبي توفي في شرخ الشباب أن يصبح أيقونة خالدة؟
ربما هي مفارقة تاريخية ساخرة. توت عنخ آمون لم يكن أعظم الفراعنة، ولا أطولهم حكماً، ولا أكثرهم نفيرا. لكنه الأكثر شهرة، لأنه بقي محفوظاً في عزلته تحت الأرض، بينما نهبت مقابر العظماء قبله. هناك درس فلسفي عميق في هذه القصة، أن البقاء ليس للأقوى، لكن للأكثر حظاً أحياناً، أو للأكثر حفظاً في حضن النسيان.
في هذا الجناح، أنت لا ترى مجرد مقتنيات ملك، ترى محاولة يائسة من إنسان لمواجهة الفناء. هذه العربات الحربية لم تكن لتخوض معارك حقيقية، معارك رمزية في العالم الآخر. هذه الأواني لم تكن لتحتوي طعاماً عادياً، بل طعاماً لأرواح ستظل تجوع وتظمأ إن لم تقدم لها القرابين. إنه جناح مكتوب بلغة الخوف البشري الأزلي من العدم، ومحاولة شراء الأبدية بالذهب.
من ناحية نقدية، لا يمكنني إلا أن أتأمل الفرق الشاسع بين هذا الصرح وبين المتحف القديم في التحرير. ذاك كان له سحره الخاص، سحر الغبار القديم والصناديق الخشبية والقطع المتراصة في فضاءات ضيقة، وكأنك تزور قبو كنز عائلي. أما هذا، فهو مسرح مفتوح. ربما فقد بعض الحميمية البوهيمية التي كانت للمتحف القديم، لكنه كسب معايير العرض العالمية.
السياحة هنا ليست مجرد تذاكر وحجوزات فنادق، إنها صناعة وعي. عندما يخرج السائح من هنا، لا يجب أن يخرج حاملاً صورة عن مصر القديمة فقط، إنما عن مصر اليوم القادرة على استيعاب ماضيها وحفظه وتقديمه للعالم في قالب هو الأحدث والأجمل. هذا هو الهدف الحضاري الأعمق، أن تعيد بناء صورتك في عيون العالم، ليس فقط بما كان، لكن بما تستطيع أن تكون.
لكن، وفي لحظة تأمل صوفية، تسأل نفسك: كيف تشعر أرواح هؤلاء الفراعنة وهم يرون أنفسهم في هذه القاعات المكيفة، تحت أضواء الـ LED، محاطين بزوار من كل حدب وصوب يلتقطون صور السيلفي؟ هل كانوا ليفخروا؟ أم أنهم كانوا ليروا في ذلك امتداداً لسطوتهم التي تجاوزت الموت؟
ربما هم سعداء. ربما كان حلمهم الأكبر أن يروا مصر كما هي اليوم، بيتاً للحضارة، ومنارة للعلم، ومزاراً للبشرية جمعاء. ربما كانت الأهرامات مجرد إعلان مبكر، إعلان عن أن هذه الأرض ستظل تجذب الأنظار إليها عبر العصور، ليس كفضول أثري، بل كوجهة روحانية.
المتحف المصري الكبير هو معادلة صعبة. هو مزج بين رمال الصحراء وزجاج الواجهات، بين الخشونة القديمة والنعومة الحديثة، بين الذهب الفرعوني والخرسانة المسلحة. إنه يحاول أن يقول إن مصر دولة قادرة على استثمار ماضيها لصنع مستقبلها.
عندما خرجت من هناك، تحت وهج شمس الغروب التي ترسم لوحة ذهبية على هضبة الأهرام، شعرت بشيء غريب. شعرت أنني لم أزر متحفاً. شعرت أنني خرجت من معبد حديث، أديت فيه طقساً من طقوس الاتصال بالجذور. أدركت أن هذه المباني الضخمة، حين تخلو من الروح، تصبح مجرد جدران. لكن حين تمتلئ بروح المكان، تصبح أيقونة.
هذا المتحف أيقونة. أيقونة وطن يحاول أن يلتقط أنفاسه بين الماضي والمستقبل. وطن لا يزال يبحث عن خلوده الخاص، تماماً مثل أجداده الذين بنوا الأهرام.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً هل يستطيع حجر أن يحكي قصة إنسان؟ ربما لا. لكنه يستطيع أن يذكرنا بأننا كنا هنا، وأننا سنظل هنا. هذه هي الرسالة التي يرسلها لنا أجدادنا عبر الزمن، رسالة وصلت إلينا اليوم في ثوبها الحديث الأنيق، تقول لنا ببساطة: أنتم لستم وحدكم، ها نحن نراكم!.