على مر العقود، شكلت الموارد الطبيعية والممرات المائية الركائز التقليدية لثروات الأمم واستقرارها الاقتصادي. وفي قلب هذه المنظومة، طالما كانت قناة السويس الشريان الحيوي لحركة التجارة العالمية وأحد المصادر الأساسية لتأمين تدفقات العملة الصعبة في مصر. وتؤكد البيانات الرسمية هذا الدور؛ حيث تزايدت إيرادات القناة تدريجياً لتسجل أعلى معدل تاريخي لها في عام 2023 بقيمة بلغت نحو 10.25 مليار دولار. إلا أن الاضطرابات الجيوسياسية المتوالية في مناطق المضايق الحيوية، وتحديداً في مضيق باب المندب ومؤخراً مضيق هرمز، أثرت في حركة الملاحة الدولية، لتتراجع الإيرادات إلى نحو 4.2 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات باستمرار هذا التأثر. هذا الواقع يضعنا أمام حقيقة استراتيجية كبرى صاغتها ملامح "رؤية مصر 2030"، وهي أن الاقتصاد المستدام لا يمكن أن يرتهن بوفرة الموارد الطبيعية وتميز الموقع الجغرافي وحسب، بل يجب أن يتكئ على مورد سيادي متجدد لا ينضب، وهو العقل البشري المبتكر.
ومن هذا المنطلق، وامتداداً لما طرحناه في مقالنا السابق حول ضرورة تعظيم الاستفادة من ملكيتنا الفكرية وتيسير رحلة المبتكر المصري، تبرز براءات الاختراع كبنية تحتية اقتصادية واعدة، أو بمثابة "قناة سويس جديدة" تؤمن عبوراً آمناً ومستداماً نحو آفاق الاقتصاد المعرفي. ففي عصر الثورة الصناعية الرابعة، أصبحت الملكية الفكرية هي المصدر الرئيسي للمنتجات والخدمات التي تقدمها الشركات والجامعات الرائدة، والضامن لريادتها عالمياً. ولو تناولنا جانباً واحداً فقط من عوائد الاستثمار في الفكر، وهو "تراخيص استغلال براءات الاختراع"، لوجدنا أن إيرادات شركة عالمية واحدة من ترخيص أفكارها وحلولها التكنولوجية تتجاوز ما تحققه ممرات مائية دولية كبرى من رسوم عبور.
فعلى مستوى الشركات التكنولوجية العملاقة، نجحت شركة "كوالكوم" الأمريكية في تحقيق إيرادات سنوية تصل إلى 6 مليارات دولار من تراخيص براءات الاختراع الخاصة بتقنيات الهواتف الذكية والاتصالات اللاسلكية. وتجني شركة "نوكيا" الفنلندية نحو 2.3 مليار دولار سنوياً من اتفاقيات الترخيص المتبادل الواسعة النطاق في مجال شبكات الهاتف المحمول وتقنيات الجيل الخامس، وتسجل شركة "إريكسون" السويدية نحو 1.6 مليار دولار من عوائد الملكية الفكرية في مجال أنظمة ربط شبكات المحمول والشبكات اللاسلكية، كصافي أرباح من تراخيص الفكر، وهذا بخلاف إيرادات بيع الخدمات والمنتجات التكنولوجية الفعلية التي تحققها تلك الكيانات.
ولم يعد هذا التفوق حكراً على الشركات، بل تحولت المؤسسات الأكاديمية إلى قلاع إنتاجية للملكية الفكرية تسهم في الدخل القومي؛ فمنظومة جامعة "كاليفورنيا" الأمريكية تجني سنوياً ما يزيد على مائتي مليون دولار من تراخيص براءات الاختراع في مجالات الهندسة الوراثية، والإلكترونيات المتقدمة، والاتصالات الحديثة. وإقليمياً، نجد نموذجاً ملهماً لجامعة "الملك فهد للبترول والمعادن" بالمملكة العربية السعودية، والتي حققت قفزة استثنائية باحتلالها المرتبة الأولى عربياً والسابعة والستين عالمياً في التصنيف العالمي للجامعات "كيو إس" لعام 2026، بعد تسجيلها 291 براءة اختراع ممنوحة من مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي في عام 2025، حيث تمكنت من تسييل هذه الاختراعات عبر شراكات صناعية ضخمة مع عملاق الطاقة شركة "أرامكو" وغيرها، متحولة من جامعة بحثية إلى مصدر دخل ابتكاري سيادي. وعلى المنوال نفسه، يسير معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا" في مجال الابتكارات الطبية والصيدلانية، وجامعة "ستانفورد" في التقنيات الحيوية وخوارزمية البحث الشهيرة "بيج رانك" التي تأسست بناءً عليها إمبراطورية محرك البحث "جوجل".
إن هذه النماذج الملهمة تمنحنا خارطة طريق واضحة ترتكز على مواصلة تطوير منظومة براءات الاختراع وتذليل العقبات الإجرائية، بالتوازي مع مد يد العون وتوفير الرعاية الاستثمارية للمخترع المستقل الذي يجسد تلك العقول المصرية المبدعة خارج النطاق الأكاديمي والمؤسسي. فهذا المخترع يمتلك أفكاراً حيوية لمنتجات لا تخدم الوطن فحسب، بل والعالم أجمع، ولكنه يواجه تحديات معقدة في رحلته الفريدة؛ أبرزها الكلفة المالية المرتفعة لتلبية الاحتياجات التقنية لاختراعه، وتحمل تكاليف تسجيله محلياً ودولياً، وصولاً إلى تحويل الفكرة إلى منتج ملموس وقابل للتداول الاقتصادي في الأسواق. يضاف إلى ذلك عبء النفقات الباهظة لإجراء الأبحاث المتقدمة والتجارب المختبرية التكميلية اللازمة لإثبات الجدوى الفنية والتشغيلية لقبول الاختراع تجارياً، وهي عقبة مادية ضخمة كثيراً ما تحرم الأسواق الدولية من حلول استراتيجية هامة، وهو تماماً ما يلمسه كاتب هذه السطور واقعاً في مسيرته العلمية مع العديد من اختراعاته، كاختراع "المباني المعلقة" المصمم خصيصاً للوقاية من مخاطر الزلازل والإرهاب، وصلاحيته للبناء في التربة الرخوة، وكبديل مستدام للجزر الاصطناعية دون التأثير في البيئة البحرية.
ولتحويل هذا الطموح إلى آلية تنفيذية تدر عوائد مستدامة، يتطلب الأمر تبني حزمة من الإجراءات الاستراتيجية؛ تبدأ من تأسيس صندوق استثماري سيادي لبراءات الاختراع، متخذًا شعار "براءة اختراع = منتج تجاري"، ويتولى تجميع واحتضان الاختراعات الواعدة وإدارتها وتسويقها محليًا ودوليًا لحساب المخترعين والدولة. كما يستلزم ذلك تطوير منظومة الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا في مصر لتعمل بعقلية استثمارية وتسويقية مرنة تبحث بنشاط عن الشركاء التجاريين، مع تركيز الدعم المادي والفني الكافي بشكل مكثف على البراءات الصناعية والهندسية ذات القيمة العالية وتكنولوجيا الطاقة المتجددة ومدخلات الزراعة العضوية والنظيفة، كونها الأكثر طلباً في سوق التراخيص العالمي والأسرع في تعميق التصنيع المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد والحفاظ على الصحة العامة.
إن شمول المؤسسات البحثية والمخترعين المستقلين بمنظومة تمويلية وإجرائية ميسرة للاختراعات ذات المردود التجاري الواعد، سيمهد الطريق لميلاد ونمو شركات تكنولوجية وطنية عملاقة تصدر تكنولوجيات مصرية خالصة وتجني عوائد مستدامة من تراخيص براءاتها اللازمة لنشر تقنياتها عالمياً. وهو ما يضمن للاقتصاد القومي تدفقات آمنة من العملة الصعبة لا تتأثر بالمتغيرات الجغرافية أو الاضطرابات الجيوسياسية المحيطة، لنثبت للعالم أجمع أن العقل المصري المبتكر هو أثمن ثرواتنا الاستراتيجية، وأن براءات الاختراع الوطنية هي ممر العبور الأكثر ثباتاً نحو اقتصاد مصري قوي، صامد، يقوده الابتكار وتحميه المعرفة.