ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

سيناء الغائبة في مدارسنا!

د.طارق منصور

د.طارق منصور

السبت 11/مايو/2019 - 11:46 ص
تظل مشكلة المناهج الدراسية بمدارسنا الحكومية واحدة من المشكلات الرئيسة، ليس من وجهة نظر مستشاري المواد بقطاع التربية والتعليم، بل من وجهة نظر أولياء الأمور وأساتذة الجامعة الأكاديميين، الأكثر تعمقًا في صنوف العلوم من غيرهم. وسواء أقرت الوزارة بتلك المشكلة أو غضت الطرف عنها متعللة بأن مناهجنا تساير أحدث النظم العالمية في مجال التعليم والتعلم، فإن قياس المردود هو الشاهد الأول على نجاح تلك المناهج في تحقيق المنشود منها من عدمه.

أقول هذا عندما شاهدت بنفسي إنخفاضًا واضحًا في مستوى تلاميذ إحدى مدارس المرحلة الإبتدائة في الصعيد، عندما زرتها ضمن قافلة تنموية، وكان دوري-كعادتي في تلك القوافل- أن أقوم بعمل حملات توعوية في بعض المدارس تهدف إلى رفع روح الإنتماء والمواطنة عند التلاميذ، وتعلي من شأن مؤسسات الدولة لديهم، وتعريفهم بنهضة مصر المعاصرة، والمشروعات الكبرى.
بيد أن ما شاهدته كان مفاجأة لي، حيث تحدثت إلى بعض التلاميذ هناك وسألتهم سؤالًا مباشرًا: ماذا تعرفون عن مصر؟ وأردفته بسؤال آخر: أين تقع مصر؟ الصمت خيم على الفصل، ولا مجيب على أسئلتي. لجأت بعدها إلى حيلة لعلها تفلح، وقلت لهم: "لو تعرفوا أي حاجة عن مصر ارسموها على السبورة". وأفلحت الحيلة، حيث رسم التلاميذ الأهرامات، وعلم مصر فقط. ولم يفلحوا في إضافة شيء آخر عن مصر.

تحدثت مع مدير المدرسة، الذي أنصت لي باهتمام، وكان عصب حديثي له اتقوا الله في عملكم، فكيف نزرع الانتماء والمواطنة في نفوس تلاميذ لا يعرفون شيئًا عن وطنهم؟ بل إن ذاكرتهم لا تحمل شيئًا من مناهج الدراسات الاجتماعية. 

بدأ مدير المدرسة يعدد لي الأسباب، التي انصب معظمها على ضرورة رفع كفاءة المعلم، الذي يبدو أنه غير مكترث بخطورة الأمر، الذي قد يؤدي في نهاية الطريق إلى شاب جاهل، قد يدفعه جهله بعد ذلك إلى الجحود أو التطرف.

تذكرت هذا، وأنا أتحدث عبر الإذاعة المصرية منذ اسبوع عن عشق المصريين لسيناء، ومكانتها في قلوبهم...حيث فوجئت بمذيعة البرنامج تقف عند عبارات محددة تفوهت بها: الله عز وجل يعلن أن سيناء بها أقدس مكان في العالم وأمرنا أن نخلع نعالنا عند الدخول إليه، عندما قال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ بل أقسم عز وجل بطور سيناء، عندما قال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1) وَطُورِ سِينِينَ(2) وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ(3)﴾ وهنا قدم الله في قسمه طور سيناء على البلد الأمين، أي على مكة المكرمة، وذلك لما له من قدسية ذكرها الله في كتابه العزيز.
وعندما قرر الله عز وجل أن يتكلم إلى أحد خلقه، أعني موسى عليه السلام، تجلى عز وجل وكلمه على جبل موسى، أو طور سيناء. 

وعندما أراد الله عز وجل أن يبارك أرضها، جاء الملاك وأمر يوسف النجار قائلًا له: «قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ»، فجاءت العائلة المقدسة ومرت بأرض سيناء ليبارك السيد المسيح أرضها، وعند عودته أيضًا إلى أورشليم بعد أن قضى أربع سنوات إلا شهرين بأرض مصر المباركة.

وشاء الله عز وجل أن يكرم سيناء أكثر فأكثر، فمر بها النبي محمد عليه الصلاة والسلام وهو راكب البراق في رحلة الإسراء والمعراج، حيث سأل الملاك جبريل عن ذلك الجبل، فأجابه أنه طور سيناء. وأخذت أتحدث طويلًا عن البركة التي حلت بأرض سيناء عبر تاريخها، وكيف أنها شهدت معجزات إلهية كبرى، لم تشهدها بقعة أخرى من بقاع المعمورة.

وهنا سألتني مذيعة البرنامج باندهاش: أين ما تذكره الآن من أبنائنا في المدارس؟
كانت الإجابة المباشرة، إنها إشكالية المناهج، التي تزداد تعقيدًا بمعلم جُل همه دفتر التحضير، غير مدرك لسمو مهنته؛ مع غياب ما يعرف باسم خريطة الرحلات المدرسية السنوية، التي تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا، وكنا من خلالها نخرج في رحلات داخلية تحت إشراف معلمي الدراسات لنزور المتاحف الوطنية والأماكن الأثرية وغيرها.
سيناء يا أهل الحل والعقد يجب أن تحظى بمكانها اللائق في المناهج التعليمية، بطريقة غير تلك الأسطر الباهتة المكتوبة عنها؛ ويجب أن تعود خريطة الرحلات المدرسية ثانية، حتى نرسخ في أبنائنا القيمة الحضارية لمصر التي أهلتها لتصبح أم الدنيا.