الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

د. أحمد محمد بيرس يكتب: رفع الذِّكْرِ للنبيّ والأُمَّة

صدى البلد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وخاتم النبيين ورحمة الله للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
يُذكِّرنا المولد النبوي الشريف بالنعمة التي أنعم الله بها على هذه الأمة، وهي مولد الرسول الكريم  ؛ حيث تمنَّن سبحانه في مُحكم كلامه بهذه النعمة فقال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128} [التوبة 128]، وهذا ترغيب من الله تعالى في شُكْر هذه النّعمة.
والمتأملُ في النصوص الشريعة الغرَّاء وجَد مِن العطايا الربّانية والمزايا الذّكية ما يدلّ قطعًا أن الأمة الإسلامية اقتبست من نبيّها  خيراتٍ وبركاتٍ، وورثت أوصافًا وأحوالًا موهوبةً من الله تعالى ومكتسبة، مصداقًا لقوله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[الحج: 75].
قال الشافعي –رحمه الله تعالى-: "فكان محمدا  خِيرتُهُ المصطفى لوحيه، المنتخبُ لرسالته، المفضلُ على جميع خلقه، بفتحِ رحمته، وختمِ نبوته، وأعمِّ ما أرسل به مرسلٌ قبله المرفوعُ ذِكرُهُ مع ذِكرِه في الأولى، والشافعُ المشفَّعُ في الأخرى، أفضلُ خلقه نفساً، وأجمعُهُم لكل خُلُق رَضِيَهُ في دينٍ ودنيا، وخيرُهم نسباً وداراً محمداً عبدَه ورسولَه وَعَرَّفَنَا نِعَمَهُ الخاصةَ، العامةَ النَّفعِ في الدين والدنيا"( ).
وعموم الأحكام تقتضي أنه طالما كانت التكاليف عامة في جميع الناس على حسب ما كلف بها رسول الله  إلا ما خصّ به، كذلك المزايا والمناقب والعطايا، فما من مزيّة أُعطيها رسول الله  إلا وقد أعطيت أمته منها أنموذجًا على قدر اتِّبَاعها له، وهذا يظهر بالاستقراء، وأكّد أبو بكر بن العربي( )، أن سنة الله  جرت في خلقه وبين عباده أنه إذا أعطى نبيًّا من أنبيائه شيئا أعطى أمته منه، وأشركهم معه في هذه المزايا والمناقب( ). 
ومن هذه المزايا والمناقب التي نالتها الأمة الإسلامية من معالي المزايا المحمدية: رفع الذكر للنبي  والأمة: 
فقال الله تعالى في حق النبي  : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ  [الشرح: 4]. وهذا من خصائصه  معنى أن يكون محمدًا صاحب ذكر رفيع في الدرجة لا المكان كما ورد في حق إدريس، فالمراد هنا الرِّفعة في المكان إلى موضع عال وهذا أولى، ورفعة الدرجة أولى من الرفعة المقرونة بالمكان.
ومن صور رفْع ذِكْر النبي  أن قرَن الله اسمه باسمه في النطق بالشهادتين، وفي كلمات الآذان في الشهادتين، وفي التشهد في فريضة الصلاة، وفي عقد الأيْمان فصار ذكره  مرفوعًا منوهًا به، ولم يكن ذِكر 
سائر الأنبياء، حتى امتدحه حسان بن ثابت فقال:
أغـرَّ عـليه للـنبـوةِ خـاتـمٌ  
                         من اللهِ مشهـودٌ يـلـوحُ و يُـشهــدُ
ضمَ الإله اسم النبي إلى اسمهِ
                     إذا قال في الخمسِ المـؤذنِ: اشهـدُ
وشـق له مـن اسـمِهِ لـيـُجِـلّـه           
                       فـذو العـرشِ محمودٌ وهـذا محمدُ.
وقد رفعَ الله ذِكْرَ أمة النبي  ومدحهم والثناء عليهم في القرآن برفع ذكر نبيهم . 
ومن صور رفْع الذِّكْر للنبي ، أنه لم ينادِهِ الله - سبحانه - باسمه أبدًا في القرآن العظيم، فلم ترد آية واحدة بصيغة (يا محمد) كما ورد في نداءات بقية الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام ـ، فقال الله تعالى في حق إبراهيم:  يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [هود: 76]، وقال في حق نوح: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ [هود: 48]، وقال في حق عيسى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران: 55]، وهكذا مع كل الأنبياء، ولما ذكر اسمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان على سبيل الإخبار وأتبعَ بصفته، قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: من الآية29].
كما أن توجيه الخطاب إلي نبينا  في القرآن الكريم، دائما ما يكون بصيغة الرسالة: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة: من الآية41]، أو بصفة النبوة كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّه [الأنفال: من الآية64]، هو من علامات رفع ذكره وعلو شأنه ـ ـ .
ومن صور رفع الذكر للنبي  والأمة، أن الله رفع ذِكر كتابه المنزَّل عليه، وجعل الله هذا الكتاب ذِكرًا
للنبي  ولقومه، مِصداقًا لقول الله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ  [الزخرف: 43، 44]، فالقرآنُ الكريم ذكرٌ وشرفٌ وفخرٌ لمن آمن به، وأنه شرف لمحمد  وأمته( )، وهو آخر إرسال السماء لأهل الأرض، ولسان الصدق الذي نقل مراد الله للخلق.
وقد مثّل القرآن الكريم أُمة النبي  بمثالين، أحدهما: في التوراة فقال: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، حتى جاء على لسان موسى ، أنه قال: "اللهم اجعلني من أمِّةِ أحمد"، لما وجد في التوراة من الإشادة بذكرهم والثناء عليهم.
وضرب القرآن مثلًا آخر ضرب في الإنجيل حيث قال:  وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) . [سورة الفتح: 29].
فالحمد لله بما أورثنا من  الأوصاف والأحوال الموهوبة منه تعالى، والمكتسبة  على ما وهب، ونسأله تعالى أن يرزقنا حبه وحب من يحبه وحب كل عمل صالح يقربنا إلى حبه. 
والحمد لله رب العالمين