ماذا لو أتيح لنا أن نجمع الشّذى في قطرة تسكن زجاجة كريستال، يحضنها النّور من الاتّجاهات كلّها؟
أمنية مستحيلة بلا شكّ. لكنّها لم تبقَ في عداد الأماني؛ فالأستاذ مصطفى عبدالله "صائد المواهب"، المتتبّع لكلّ حرف أصيل، حقّقها في مؤلَّف صدر عن دار غراب للنّشر والتّوزيع بمصر بعنوان "متون مضيئة.. في حضرة الكتاب" .
بين غلافَي هذا المؤلَّف الذي يقع في 586 صفحة، جمع المؤلف ملخصًا لما نُشر في أجمل الكتب وأكثرها عمقًا وفائدة.
فمن خلال رحلته الطّويلة التي بدأت في السّبعينيّات من القرن الماضي، استطاع كاتبنا أن يَطّلِع على أهم الكتب المنشورة والمعدّة للنشر، ويقدّمها لقرائه في مختلف المنابر الأدبيّة التي عَمِلَ بها، أو رأس تحريرها، أو أسهم في تأسيسها بنفسه؛ كـ:"الأخبار"، "أخبار الأدب"، "فنون الجسرة"، "الجسرة الثّقافيّة"، وغيرها الكثير من المنابر الثّقافيّة والأدبيّة.
لم يكن الأستاذ مصطفى يومًا، من النّقّاد الذين يهتمّون فقط بالكتاب الذي يأتيهم على طبق من فضّة؛ بإهداء من مؤلفه مثلًا، إنّما كان هو مَنْ يقصد الكتاب، فيسعى إلى المكتبات والمطابع، ودور النّشر: صغيرها وكبيرها، ليسأل عن مطبوعاتها، يقرأها بنَهَم، ليسلّط الضّوء على ما يستحقّ منها.
وقد استطاع أن يكسب ثقة النّاشرين فيحصل على "بروفات" كتبهم قبل وصولها إلى مراحل الطّباعة النهائية، وبذلك يحقق سبقًا ثقافيًا بالحديث عنها لحظة صدورها.
وكان لهذا الأمر متعة في نفسه لا تضاهيها متعة.
وقد ظلّ على هذه الحال سنوات عديدة، ازداد فيها خبرة وعمقًا وقدرة على العرض بطريقة سلسة، مهما كان الكتاب صعبًا، فاكتسب ميزة استطيع تسميتها "فنّ الجذب والتشويق، بل والإدّهاش"، لأن قلمه السّيّال قادر على جذب القارئ وتوجيهه إلى منابع الكتاب الذي يتناوله بطريقة مدهشة، يرى نفسه معها متوجّهًا بكلّ ثقة ودون قصد منه لشراء الكتاب، والاطّلاع عليه.
ولأنّه، منذ بدايته، منحاز للأقلام الجيّدة الواعدة، فقد كان دائم البحث عنها كالغوّاص في بحر المرجان، وظلّ وفيًّا لها حتّى اليوم: يعرضها، يتحدّث عنها، يحلّل مكامن الجمال فيها، ويقدّمها للرّاغبين. وبما أنّه حريص على الأدب وأهله فقد فكّر في جيل الشّباب، الجيل الذي بدأنا نشعر أنه يفلت من أيدينا شيئًا فشيئًا، ويسعى إلى الاستسهال والابتعاد عن الثّقافة ومصادرها.
هذا الجيل الذي غزته التّكنولوجيا، وأبعدته وسائل التّواصل الاجتماعي عن المطالعة، فابتعد بذلك عن لغته، وقِيَمه، ومبادئه، ومسارات إبداعه.
مِنْ هنا، جاءت فكرة الكتاب - الموسوعة "متون مضيئة"، الذي جمع فيه الأستاذ مصطفى عبدالله خلاصات ما قرأه وجمعه بين دفّتين، متناولًا في اثني عشر فصلًا، أكثر من مائة كتاب للكثير من الأدباء، وقام بتصنيفها في عناوين اختارها: "سير واعترافات وأسرار"، "سير تشكيليّة"، "سير فنّيّة"، "نوبل وفرسانها"، "إبداعات ودراسات نقديّة عربيّة"، "جسور التّرجمة"، "مراجعات سرديّة"، و"نغم.. وفرجة"، وغيرها.
فاختر، عزيزي القارئ، ما شاء لك الله أن تختار، وسافر على متون كاتبنا إلى عوالم الثّقافة والانبهار.
يستهلّ الكاتب "متونه" بإهداء "إلى روح الوجيهين عبدالعزيز وعبدالكريم سعود البابطين اللّذين قدّما للّغة والمهتمّين بها خدمات جليلة تجلّت في النّشر؛ تقديم الجوائز السّخيّة لمستحقّيها، وتشييد المكتبات المتخصّصة خدمة للعقول، وارتقاء بالوجدان".
وهذا إن دلّ على شيء، فإنّما يدلّ على وفاء كاتبنا لكلّ من رصّ لَبِنَة في صرح الارتقاء بالأدب والثّقافة واللّغة.
ويُختتم الكتاب بقسم يتناول سيرة المؤلّف، بسطور يتقطّر فيها العطر من جديد في مستخلص يجمع عمرًا غنيًّا قضاه الأستاذ مصطفى عبدالله في خدمة الكتب والكتّاب، فوضع الكثيرين من أصحاب القلم، (وأنا منهم)، في دائرة الضّوء بإشادة به، أو إشارة إلى إبداعه، وبثّ الحماس في صدور القرّاء والمبدعين، على السّواء.
واليوم ها هو يُكمِل رسالته، ويقدّم للمكتبة العربيّة - الجزء الأوّل - من: "متون مضيئة في حضرة الكتاب" ليغدو مرجعًا لكلّ من يبحث عن حروف مميّزة، يغني بها عقله، وقلبه، وحياته عبر عمل موسوعي صرف بذل فيه وقتًا وجهدًا ليقدّمه إلى جيل الشّباب في أبهى حُلة على أن يكون الخطوة الأولى على طريق "متون" قادمة بإذن الله.
زينب عبد الباقي تكتب: متون مضيئة إلى عوالم الأحلام
مصطفى عبدالله
دار غراب للنّشر
الأخبار
أخبار الأدب
فنون الجسرة
الجسرة الثّقافيّة
مراجعات سرديّة
متون مضيئة