قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: العدوان الإيراني على الخليج طعنة في خاصرة الأمة العربية

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

دقائق معدودة كانت كفيلة بقلب الموازين في منطقة الخليج العربي، بالأحري في المنطقة العربية كلها. صواريخ إيرانية وطائرات مسيرة انطلقت من العمق الإيراني لتستهدف دول الخليج العربية، في مشهد لم تشهده المنطقة منذ حرب الخليج الأولى.

 لكن الفارق أن إيران اليوم ليست إيران الأمس، والمنطقة العربية ليست هي المنطقة ذاتها.
قبل أن ندخل في تحليل الموقف العربي، لابد من وقفة متأنية لفهم ما يجري في طهران. 

المشهد الإيراني مربك للغاية، رئيس إصلاحي مثل مسعود بزشكيان يعتذر علناً للدول الخليجية ويؤكد أن بلاده لا تنوي استهداف جيرانها، وفي اللحظة ذاتها تهاجم طائرات مسيرة إيرانية أهدافاً مدنية في الإمارات وقطر والسعودية. وزير خارجية يتحدث عن احترام السيادة، والحرس الثوري يتحدث لغة مختلفة تماماً.
هذا التناقض الصارخ يكشف حقيقة مهمة؛ ان إيران ليست دولة تقليدية يمكن التعامل معها ككيان واحد متماسك. إيران كيان معقد، تتداخل فيه شرعية الدولة مع شرعية الثورة، وتتصارع فيه مؤسسات منتخبة مع مؤسسات أيديولوجية مسلحة. الحرس الثوري، الذي يمتلك ترسانة عسكرية ضخمة ونفوذاً اقتصادياً هائلاً، هو صاحب الكلمة العليا في ملف الأمن القومي، وهو من يقرر متى وأين وكيف تضرب إيران.
ما يعنينا نحن كعرب، أن الضربات الإيرانية تمت، والدمار حدث، والأرواح البريئة التي سقطت في دبي وأبوظبي والدمام لا تفرق بين صواريخ الحرس الثوري وصواريخ الجيش الإيراني النظامي. المسئولية تقع على إيران كدولة، وعلى القيادة الإيرانية التي تتحمل وزر ما تفعله أجنحتها العسكرية.
دعونا نتحدث بلغة الأرقام، لأن الأرقام لا تكذب ولا تتجمل. أكثر من 12 مليون مواطن عربي يعملون حالياً في دول الخليج العربية. هؤلاء الـ12 مليوناً لا يعملون لأنفسهم فقط، إنما يعملون لأسرهم في القاهرة وعمان وبيروت والخرطوم وصنعاء وبغداد. تحويلاتهم السنوية تتجاوز 60 مليار دولار ، تذهب مباشرة لدعم ميزانيات مدن عربية ، ولإعالة أسر، وتعليم أبناء، وعلاج مرضى.
الخليج العربي يستورد سنوياً ما قيمته أكثر من 150 مليار دولار من سلع وخدمات من الدول العربية الأخرى. صادرات مصر للإمارات والسعودية والكويت وحدها تتجاوز 3 مليارات دولار سنوياً. 

هذه الأرقام تعني شيئاً واحداً، أن استهداف الخليج ليس استهدافاً لجغرافيا محددة، إنه استهداف لمعيشة عشرات الملايين من البشر في كل بلد عربي. حين يضرب صاروخ إيراني مطار دبي الدولي، فإنه لا يضرب ممراً فقط، لكنه يضرب حركة الطيران التي تنقل البضائع والركاب بين الخليج وبقية الدول العربية. حين تستهدف صواريخ إيرانية ناقلات نفط في مياه الخليج، فإنها ترفع تكلفة التأمين على كل السفن، ومن ثم ترفع أسعار السلع المستوردة لكل البيوت العربية.
لننظر إلى الخريطة قليلاً. هناك مضيق هرمز ممر مائي ضيق لا يتجاوز عرضه 50 كيلومتراً في أضيق نقطة، يمر عبره يومياً أكثر من 20 مليون برميل نفط، أي حوالي ثلث إنتاج العالم من النفط. هذا المضيق هو شريان الاقتصاد العالمي، وهو في الوقت نفسه نقطة الضعف الأكبر في الأمن الخليجي.
إيران تدرك هذه الحقيقة جيداً، ولعبت عليها طويلاً. التهديد الإيراني المتكرر بإغلاق المضيق هو ورقة ضغط دائمة على الغرب وعلى دول الخليج. لكن الجديد اليوم، أن إيران انتقلت من مرحلة التهديد إلى مرحلة التنفيذ. استهداف ناقلات النفط في مياه الخليج، وزرع الألغام، واحتجاز سفن، كلها أفعال تنذر بكارثة حقيقية لو استمرت.
الخبراء العسكريون يقولون إن إيران طورت قدراتها البحرية والصاروخية بشكل كبير خلال العقد الأخير. ترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة تكفي لإغراق المنطقة في فوضى عارمة. صواريخ "خليج فارس" و"خرمشهر" و"قدر" قادرة على الوصول لأي هدف في الخليج بدقة عالية. وهذا ما رأيناه في الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت حيوية بدقة لافتة.

السؤال الأصعب الآن هو ماذا نملك نحن كعرب لردع هذا العدوان؟ الحقيقة أن الترسانة العسكرية العربية، رغم ضخامتها، تعاني من فجوات كبيرة. التفاوت في القدرات بين دول الخليج كبير. والتنسيق العسكري بين الدول العربية لا يزال دون المأمول. كما أن الدفاعات الجوية العربية، رغم تطورها، لا تزال غير متكاملة.
لكن المبادرة المصرية التي أطلقها الرئيس السيسي بتشكيل قوة عربية مشتركة هي خطوة في الاتجاه الصحيح. لأن وجود قوة عربية قوامها 40 ألف جندي، مدعومة بغطاء جوي وبحري، قادرة على التدخل السريع، سيكون رادعاً حقيقياً لأي معتدي . لكن هذه القوة تحتاج  إلي إرادة سياسية عربية حقيقية، وتمويل سخي، وتدريب مشترك، وتوحيد للعقائد العسكرية.
ما حدث في اليمن كان درساً قاسياً. التحالف العربي الذي قادته السعودية والإمارات أثبت أن العمل العسكري العربي المشترك ممكن وفعال. لكنه أثبت أيضاً أن المعارك الطويلة مكلفة، وأن الحلول السياسية ضرورية لإنهاء الصراعات.

المعادلة الصعبة
دول الخليج العربية تواجه معادلة صعبة للغاية. من جهة، التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ضروري لأمنها، فالغطاء الأمريكي هو الضامن الحقيقي لاستقرار المنطقة. من جهة أخرى، إيران جارة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها. دول الخليج تريد علاقات طبيعية مع إيران، وتريدها جارة مسالمة لا تهدد أمنها ولا تتدخل في شؤونها.
الخليجيون يدفعون ثمناً باهظاً للصراع الأمريكي الإسرائيلي-الإيراني. هم ليسوا طرفاً فيه، لكنهم في قلب نيرانه. القواعد الأمريكية على أراضيهم تجعلهم هدفاً مشروعاً في نظر إيران. وفي الوقت نفسه، تقاربهم مع إيران يضعهم موضع شك من واشنطن.
هذا المأزق الاستراتيجي يحتاج إلى حل ذكي. ربما يكون الحل في سياسة التوازن النشط، أي الحفاظ على التحالف مع أمريكا، مع فتح قنوات حوار جادة مع إيران، وتقديم ضمانات واضحة للجانبين. لكن هذا الحل يتطلب من إيران أولاً أن تثبت حسن نواياها، وأن توقف سياساتها العدوانية في المنطقة.

مصر والخليج 
منذ حرب الخليج الأولى، تمسكت مصر بموقف ثابت واضح محدد هو أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. هذا الموقف  يعتبر عقيدة راسخة في السياسة الخارجية المصرية وليس شعارات موسمية جوفاء .
الرئيس السيسي كان واضحاً وحاسماً في تصريحاته الأخيرة بأن "أمن الخليج خط أحمر، ومن يعبث به يعبث بأمن مصر القومي". وهذه رسالة سياسية واضحة للعالم كله بأن مصر مستعدة للدفاع عن أشقائها بكل ما تملك من قوة.
الدعم المصري للخليج لم يقتصر على البيانات الرسمية. فهناك تحركات دبلوماسية مصرية مكثفة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، واتصالات على أعلى مستوى مع القيادات الخليجية والأمريكية والأوروبية، مشاركة في مناورات عسكرية مشتركة، كلها أدلة على أن مصر جادة في الدفاع عن الأمن الخليجي.
لكن المطلوب اليوم أكثر من ذلك. المطلوب تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك بشكل حقيقي. معاهدة وقعت عام 1950 وتنص على أن أي اعتداء على أي دولة عربية هو اعتداء على جميع الدول العربية. تفعيل هذه المعاهدة يعني تحركاً عربياً جماعياً ضد أي معتدي، وليس مجرد بيانات تأييد.
اسمحوا لي أن أختم بكلمة مباشرة إلى القيادة الإيرانية كفى عدواناً، كفى تدخلاً في شئون العرب، كفى دعم الميليشيات التي تفتت دولنا وتقتل شعوبنا. الخليج ليس ساحة لتصفية حساباتكم مع أمريكا وإسرائيل. الخليج وطن عربي، وأهله أشقاؤنا، وأمنه أمننا.
نحن لا نريد حرباً مع إيران، نريد جواراً هادئاً، وتعاوناً اقتصادياً، وتفاهماً سياسياً. لكن هذا الجوار الهادئ يتطلب من إيران أولاً أن توقف سياساتها العدوانية، وأن تحترم سيادة الدول العربية، وأن تكف عن دعم الميليشيات المسلحة التي تعيث في الأرض فساداً.
ختاماً، الأمة العربية اليوم أمام اختبار مصيري. إما أن نقف صفاً واحداً في وجه هذا العدوان، وإما أن نترك الخليج وحده يواجه المصير المحتوم. الخليج ليس وحده، ولن يكون وحده. مصر معه، والأردن معه، والمغرب معه، وكل عربي شريف معه.
الخليج العربي هو القلب النابض للاقتصاد العربي، وهو شريان الحياة لملايين العرب. من يمد يده إلى الخليج بالعدوان، يمد يده إلى كل بيت عربي، وإلى كل أسرة عربية تعيش من خيراته. وسيجد اليد العربية ممدودة بالردع والدفاع، قبل أن تمد بالنداء والاستغاثة.
حفظ الله الخليج العربي من كل مكروه، وحفظ الله الأمة العربية من كل شر، وأرجع علينا جميعاً بالأمن والاستقرار والرخاء.