قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سيد الضبع يكتب: هل ما نعيشه اليوم هو الأصعب؟ أم أن المصريين واجهوا ما هو أقسى في الحروب؟

سيد الضبع
سيد الضبع

في كل مرة تشتد الضغوط السياسية والاقتصادية، تتردد عبارة على ألسنة البعض: «الجيل ده منحوس». لكن قبل أن نردد هذه الجملة، ربما يكون من الضروري أن نتوقف قليلًا أمام صفحات التاريخ القريب، فهناك أجيال مصرية عاشت ظروفًا كانت فيها الحياة نفسها مهددة، لا مجرد ارتفاع في الأسعار أو ضغوط معيشية.

التاريخ القريب يخبرنا أن مصر لم تمر فقط بأزمات اقتصادية، بل واجهت حروبًا حقيقية هددت وجود الدولة نفسها، ففي عام 1956 تعرضت مصر  للعدوان الثلاثي على مصر بعد قرار تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956. وقتها عاش المصريون أجواء الحرب بكل تفاصيلها؛ توتر في الشارع، قلق في البيوت، وخوف على مستقبل بلد خرج لتوه من سنوات طويلة من الاحتلال.

ولم تمض سنوات قليلة حتى جاءت الصدمة الكبرى في حرب يونيو 1967، وهي واحدة من أصعب اللحظات في تاريخ مصر الحديث. فقدت مصر جزءًا غاليًا من أرضها، وعاش المجتمع سنوات ثقيلة من الحزن والقلق، بينما كانت الدولة تعيد ترتيب صفوفها وتستعد لمعركة طويلة لاستعادة الأرض والكرامة.

في تلك السنوات لم تكن الحياة سهلة على المصريين. كانت البلاد تتحمل أعباء الحرب، وكانت الأسر المصرية تعيش على وقع أخبار الجبهة، بينما قدمت آلاف العائلات أبناءها شهداء دفاعًا عن الوطن.

ثم جاءت سنوات حرب الاستنزاف، التي دارت بشكل رئيسي بين عامي 1969 و1970، وهي حرب طويلة أنهكت الاقتصاد وفرضت على المجتمع المصري حالة من الصبر والتحمل، ومع ذلك استمر المصريون في العمل والصمود، لأنهم كانوا يدركون أن معركة الكرامة لا بد أن تُخاض.

وفي عام 1973 جاء اليوم الذي انتظره المصريون طويلًا. ففي السادس من أكتوبر عام 1973 عبر الجيش المصري قناة السويس في عملية عسكرية تاريخية حطم خلالها خط بارليف، في لحظة أعادت الثقة للأمة وأثبتت أن الإرادة الوطنية قادرة على تغيير موازين القوى.

وخلال كل تلك المحطات التاريخية الصعبة، كان هناك عامل حاسم في بقاء الدولة المصرية واستقرارها، وهو الجيش المصري. هذا الجيش الذي سخره الله ليكون درعًا وسندًا لهذا الوطن، يحمي حدوده ويحافظ على استقراره في أصعب الظروف.

ولعل المصريون لا يحتاجون للعودة بعيدًا في التاريخ ليدركوا قيمة الأمن والاستقرار، فالجميع يتذكر ما شهدته البلاد عقب ثورة 25 يناير من حالة فوضى وغياب للأمن في بعض الفترات، حين شعر المواطنون لأول مرة بمدى صعوبة الحياة عندما تهتز الدولة وتغيب الطمأنينة من الشارع.

كانت هذه الأيام كفيلة بأن تذكر الجميع أن الأمن ليس أمرًا عاديًا أو مضمونًا، بل نعمة عظيمة إذا فقدتها الدول دفعت ثمنًا باهظًا لاستعادتها.

وفي خضم الأزمات الاقتصادية تظهر  ظاهرة مؤسفة يعرفها المجتمع جيدًا، وهي تجار الأزمات الذين يستغلون الظروف لتحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، عبر الاحتكار أو رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه دون مبرر.

وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة: استغلال معاناة الناس ليس تجارة، بل جشع لا يمكن قبوله أخلاقيًا أو وطنيًا. فالتاجر الحقيقي يدرك أن البركة في الأمانة، لا في استغلال الظروف.

ومن هنا تأتي أهمية الإجراءات الحاسمة التي تتخذها الدولة لضبط الأسواق وتشديد الرقابة على الأسعار، واتخاذ عقوبات رادعة ضد المتلاعبين، بما في ذلك إحالة من يثبت تورطه في الإضرار بالأمن الاقتصادي إلى القضاء العسكري، وهي رسالة واضحة بأن حماية المواطن خط أحمر.

لكن مواجهة جشع بعض التجار لا يجب أن تعتمد على العقوبات وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى حلول عملية تضمن توازن السوق. ومن بين أهم هذه الحلول التوسع في إنشاء أسواق ومنافذ موازية في مختلف المحافظات والمناطق التجارية بالجمهورية، بحيث توفر السلع بأسعار عادلة وتخلق منافسة حقيقية في السوق.

وجود هذه المنافذ يمنح المواطن بدائل حقيقية، ويمنع احتكار السلع، ويقطع الطريق أمام من يحاولون استغلال الأزمات.

وفي خضم الحديث عن الغلاء والضغوط الاقتصادية، يجب ألا نغفل نعمة عظيمة كثيرًا ما نعتادها حتى نكاد لا نشعر بقيمتها… إنها نعمة الأمن والاستقرار. فكم من دول حولنا فقدت هذه النعمة، فأصبحت الحياة اليومية فيها صراعًا من أجل البقاء.

وقد ذكّرنا القرآن الكريم بقيمة الأمن باعتباره أساس الحياة الكريمة، حيث يقول الله تعالى:"الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ".
فالأمن قبل الرخاء، والاستقرار قبل الرفاهية. وإذا وُجد الأمن أصبح من الممكن مواجهة أي أزمة والعمل على تجاوزها.

وما بين قوة الدولة، ووعي المواطن، وأمانة التاجر، يبقى الأمل دائمًا أن تعبر مصر هذه المرحلة كما عبرت محطات أصعب بكثير في تاريخها.