على مدار تاريخ كأس العالم، ارتبطت البطولة دائمًا بصعود المواهب الشابة وانفجار الطاقات البدنية في أكبر مسرح كروي على وجه الأرض، لكن نسخة 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تبدو مختلفة في كثير من تفاصيلها، فإلى جانب كونها النسخة الأكبر في تاريخ المونديال بمشاركة 48 منتخبًا؛ فإنها ستشهد حضورًا استثنائيًا لجيل من النجوم المخضرمين الذين رفضوا الاستسلام لقوانين العمر، وواصلوا كتابة فصول جديدة من المجد رغم تجاوزهم الأربعين عامًا.
وبينما تتطلع الجماهير إلى اكتشاف نجوم المستقبل؛ ستكون هناك أيضًا فرصة لمتابعة مجموعة من الأساطير الكروية التي أثبتت أن الخبرة والإصرار قادران على منافسة الشباب في أعلى مستويات اللعبة.
رقم تاريخي غير مسبوق في المونديال
بحسب تقرير صادر عن الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، ستشهد نهائيات كأس العالم 2026 مشاركة 8 لاعبين تبلغ أعمارهم 40 عامًا أو أكثر، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ البطولة.
وتكتسب هذه الإحصائية أهمية خاصة، إذا ما قورنت بتاريخ كأس العالم الممتد لأكثر من 9 عقود، إذ لم يشارك سوى 7 لاعبين تجاوزوا سن الأربعين في جميع النسخ السابقة التي أقيمت بين عامي 1930 و2022.
ورغم أن الحارس المصري عصام الحضري لا يزال يحتفظ بلقب أكبر لاعب يشارك في كأس العالم بعمر 45 عامًا و5 أشهر خلال مونديال روسيا 2018؛ فإن نسخة 2026 تبدو وكأنها احتفال عالمي بطول العمر الكروي وقدرة اللاعبين على الحفاظ على مستوياتهم التنافسية لسنوات طويلة.
كريج جوردون.. حلم المونديال يتحقق أخيرًا
من بين جميع الأسماء المشاركة، يبرز الحارس الاسكتلندي كريج جوردون باعتباره الأكبر سنًا في البطولة.
وسيبلغ جوردون 43 عامًا و5 أشهر عند انطلاق المنافسات، ليصبح ثاني أكبر لاعب يشارك في تاريخ كأس العالم بعد الحضري.
والمفارقة أن الحارس المخضرم، الذي بدأ مسيرته الاحترافية قبل مونديال 2002، سيخوض أول ظهور له في البطولة العالمية بعد رحلة امتدت لأكثر من عقدين من الزمن.
وتتزامن مشاركته مع عودة منتخب اسكتلندا إلى كأس العالم للمرة الأولى منذ مونديال فرنسا 1998، ما يمنح قصته بعدًا تاريخيًا وإنسانيًا خاصًا.
كريستيانو رونالدو.. مطاردة الحلم الأخير
يبقى النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو الاسم الأكثر بريقًا بين نجوم الأربعين المشاركين في البطولة، فبعد مسيرة استثنائية حصد خلالها معظم الألقاب الفردية والجماعية الممكنة؛ لا يزال كأس العالم هو الإنجاز الأكبر الذي يفتقده سجل “الدون”، ولذلك سيدخل مونديال 2026 بطموح واضح يتمثل في قيادة البرتغال إلى منصة التتويج للمرة الأولى في تاريخها.
وفي حال نجح المنتخب البرتغالي في تحقيق اللقب، سيصبح رونالدو أكبر لاعب يرفع كأس العالم، محطمًا الرقم التاريخي الذي سجله الإيطالي دينو زوف عام 1982.
كما تمثل البطولة محطة مهمة في سعيه للوصول إلى حاجز الـ 1000 هدف رسمي خلال مسيرته الاحترافية.
أوتشوا.. حارس المكسيك يرفض الوداع
على مدار السنوات الماضية، تحول جييرمو أوتشوا إلى أحد أبرز الوجوه المرتبطة بكأس العالم.
الحارس المكسيكي المخضرم، الذي بدأت رحلته المونديالية عام 2006، يستعد لكتابة فصل جديد من تاريخه مع منتخب بلاده، وإذا شارك في نسخة 2026، فسينضم إلى قائمة نادرة من اللاعبين الذين خاضوا ست نسخ مختلفة من البطولة.
ورغم تراجع فرصه الدولية في بعض الفترات، فإن الإصابات التي ضربت حراس المكسيك أعادت له فرصة الظهور من جديد، ليؤكد مرة أخرى أن الخبرة لا تزال تملك مكانًا في كرة القدم الحديثة.
مودريتش.. قائد لا يعرف التراجع
يُعد لوكا مودريتش أحد أبرز رموز الجيل الذهبي للكرة الكرواتية، بعدما قاد بلاده إلى وصافة كأس العالم 2018 والمركز الثالث في نسخة 2022.
وبعد نهاية مسيرته الأسطورية مع ريال مدريد، اختار النجم الكرواتي مواصلة مشواره في الملاعب الأوروبية، محافظًا على جاهزيته لخوض تحدٍ جديد في كأس العالم.
وعندما تنطلق البطولة سيكون مودريتش قد بلغ الأربعين من عمره تقريبًا، لكنه لا يزال يمتلك الرؤية والخبرة والقدرة على قيادة كرواتيا في المحافل الكبرى.
دجيكو وموسليرا.. خبرة تصنع الفارق
في البوسنة والهرسك، يواصل إدين دجيكو لعب دور القائد والملهم. المهاجم المخضرم الذي تجاوز الأربعين نجح في قيادة منتخب بلاده إلى التأهل للمونديال بعد غياب طويل، ليمنح الجماهير البوسنية فرصة جديدة للحلم.
أما في أوروجواي، فيواصل الحارس فرناندو موسليرا حضوره المميز بعد سنوات طويلة من العطاء. فبفضل خبرته الكبيرة التي اكتسبها في الملاعب الأوروبية، عاد مجددًا إلى حسابات المنتخب الوطني ليضيف بطولة جديدة إلى مسيرته الدولية الحافلة.
نوير وفوزينها.. قصتان مختلفتان على طريق المجد
من جانبه، يواصل الألماني مانويل نوير ترسيخ مكانته كأحد أعظم حراس المرمى في تاريخ اللعبة. ورغم إعلانه الاعتزال الدولي في وقت سابق، فإنه عاد لارتداء قميص ألمانيا من جديد، ليخوض كأس العالم الخامس في مسيرته ويظل آخر لاعب نشط من الجيل الذي توج بمونديال البرازيل 2014.
وفي المقابل، تمثل قصة الحارس فوزينها نموذجًا مختلفًا للإصرار. فقد ساهم بشكل مباشر في قيادة منتخب الرأس الأخضر إلى أول مشاركة مونديالية في تاريخه، ليصبح أحد أبرز الوجوه الملهمة في البطولة، ويؤكد أن الأحلام الكروية لا ترتبط بعمر معين.
ولن يكون كأس العالم 2026 مجرد بطولة لاستعراض مواهب المستقبل، بل سيكون أيضًا مسرحًا لقصص استثنائية يكتبها لاعبون تحدوا الزمن ورفضوا مغادرة المشهد، حيث يلتقي الشغف بالخبرة، ويثبت نجوم الأربعين أن الموهبة الحقيقية لا تعرف عمرًا محددًا، وأن بعض الأساطير قادرة دائمًا على تأجيل النهاية وكتابة المجد من جديد.