قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: وهمُ القوة في زجاجة

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​سكن الفضولُ وجدان الإنسان منذ بزوغ فجره الأول، فأخذ يتأمل وثبات الكائنات وحيويتها الجامحة، حالماً بامتلاك ذاك النبض الذي لا يفتر.. ولم يكن الاستغراق في التفكير مجرد رحلةٍ للبحث عن عنفوان البقاء، بل كان شغفاً فطرياً يدفعه لتجربة تأثير ما تجود به الطبيعة؛ من جذورٍ وثمار، وصولاً إلى طقوس شرب القهوة التي صارت جزءاً من إيقاعنا اليومي. بل امتد هذا الشغف مع التقدم ليخوض الإنسان غمار خلطاتٍ كيميائية مبتكرة، سعياً خلف يقظةٍ مستمرة.

​وفيما بعد اقتحمت الميديا الحكاية كطرفٍ ثالث؛ إذ لم يكتفِ التجار بعرض سلعهم، بل استثمروا ميلنا الفطري، وربطوا بين هذه المشروبات ورموز الشهرة العالمية عبر نفاذ الإعلانات الاستشهادية المبهرة؛ فحين ترى نجماً بحجم كريستيانو رونالدو يرفع عبوة مشروب طاقة بابتسامة الواثق، أو حين يظهر فنانون في لقطاتٍ توحي بأن طاقتهم اللا محدودة مستمدة من تلك العُلْبة، ندرك حجم الوهم الذي يُباع لنا. 

وهكذا، تحول الأمر من تجربةٍ بشريةٍ بسيطة إلى عادةٍ يغذيها وميض الشاشات، حتى صرنا نرى في تلك الأوعية المعدنية الملونة أداةً نواجه بها ضغوط أيامنا، متجاهلين أننا وضعنا أجيالاً غضة في مواجهة خطرٍ داهم.

​ومؤخراً، تُرجم هذا الرفض المتصاعد بين الأوساط التربوية والطبية -خوفاً من تآكل الصحة العقلية والبدنية للنشء تحت وطأة تلك المنبهات- إلى إجراءٍ حكومي رسمي؛ إذ أعلنت الحكومة البريطانية حظر بيع مشروبات الطاقة للأطفال دون سن 16 عاماً في إنجلترا اعتباراً من أبريل 2027، للمشروبات التي تحتوي على أكثر من 150 ملج من الكافيين لكل لتر. 

ومما لا شك فيه عزيزي القارئ أن ذلك القرار يجسد انتصاراً لصوت الوعي؛ فكبار العلماء -وعلى رأسهم الدكتور أندرو هوبيرمان، أستاذ علم الأعصاب في جامعة ستانفورد- يؤكدون أن أجهزة الأطفال العصبية بهذه المرحلة العمرية تكون في ذروة توازنها الفطري، وأن التدخل الخارجي بالكافيين لا يمنحهم طاقة، بل يحدث اضطراباً في مسارات اليقظة والهدوء لديهم. 

كما يُجمع هؤلاء المختصون على أن أجساد الصغار ليست بحاجة لـ "دفعات مصطنعة"؛ فهم كائناتٌ تفيض بالحيوية، وما تلك المشروبات إلا استنزافٌ لبطارياتٍ مشحونة أصلاً.

​ويعزز هذا التوجه الدكتور تيم سبيكتور، عالم الأوبئة الشهير، الذي يحذر من أن التأثيرات طويلة المدى لهذه المشروبات تتجاوز اليقظة المؤقتة؛ فهي تعبث بتوازن البكتيريا النافعة في أمعاء الأطفال، مما يلقي بظلاله السلبية على نموهم الإدراكي واستقرارهم المزاجي. 

وتعد المفارقة هنا صارخة؛ فنحن نفرض قيوداً صارمة على المحتوى الرقمي المصور المفسد والتافه الذي يستهلكه الطفل حمايةً لعقله، بينما كنا نغض الطرف عن مواد كيميائية تقتحم جسده وتُغير كيمياءه الحيوية، في صراعٍ باتت نتيجته ملموسة في ميل سلوك الكثير من التلاميذ للعصبية والتهور والتشتت الذهني داخل الفصول الدراسية، وهو الواقع الذي طالما ناضل معلمو المدارس في بريطانيا على سبيل المثال من أجل تغييره.

​وأخيراً، أعود إلى ضرورة الانتباه لكل ما يتم الاستشهاد به عبر الشاشات وتطبيقات السوشيال ميديا من إعلانات للمشاهير، وإعمال العقل لكل متلقٍ لهذه الرسائل التجارية البحتة، والتيقن بأن معظم هؤلاء لا يدققون في محتوى تلك الرسائل الإعلانية قبل عرضها علينا على طبق من الإقناع غير المسؤول باستخدامها أو استهلاكها، وأن ما يشغلهم في الأساس -وهم في قمة عطائهم المهني- هو التربح المادي والاستفادة غير المتبادلة مع المعجبين.