قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد سالم يكتب: من مستشفى قنا في الصعيد .. إلى الرحمانية في البحيرة .. السر في المنظومة

أحمد سالم - مدير تحرير موقع صدى البلد
أحمد سالم - مدير تحرير موقع صدى البلد

زيارة مفاجئة لـ  اللواء دكتور مصطفى الببلاوي، محافظ قنا لـ مستشفى قنا العام، والتي من المفترض أنه المستشفى الأكبر لتقديم الخدمة للمواطنين بمحافظة قنا، لكن الشواهد التي تراءت للمحافظ أثناء الزيارة كانت كارثية بكل المعاني، والمواقف التي رصدها المحافظ تؤصل لفساد في صورة إهمال يدفع ثمنه المواطن فقط لا غير.

الخدمة الصحية في مصر أو في أي بلد في العالم، هي الأسمى والأكثر قدسية والأهم على الإطلاق باعتبار أنها تتعلق بالحياة ولا شيء أهم من الحياة، وكم وقفنا كثيرًا أمام مشاهد مشابهة لما حدث في مستشفى قنا العام والشكاوى التي تتشابه في الكثير من المستشفيات وأغلبها يتعلق بشراء المستلزمات والدواء من الخارج، ونعلم يقينًا أنه بقتح تحقيق في الواقعة سيثبت عدم وجود هذه الأدوية والمستلزمات في المستشفى وستُحال القضية برمتها إلى ضعف الإمكانيات.

لكن مالا يمكن السماح به أو التساهل بشأنه هو موقف المحافظ عندما توسط بهو المستشفى مرورا بأروقتها والمرضى يتراصون يمينًا ويسارًا وهو يتحدث إلى المدير قائلًا: الساعة 9 وربع ومفيش غير دكتور واحد بس في المستشفى !! من يتحمل هذه الصورة الفجة من اللامبالاة بالمرضى والإخلال بنظام العمل وقيمة وفضيلة الرسالة الطبية !.

صدقني من واقع التجربة.. المريض الذي يحتاج إلى المساعدة يطمئن بمجرد وجود الطبيب، ويأنس بُحسن الاستقبال وتفاعل المتواجدين مع حالته ووجود مكان آدمي مهيأ لانتظاره بدلا من الاستلقاء في طرقات المستشفى أمام أبواب الموظفين وعيادات الكشف، المريض سيشعر بالتحسن نفسيًا إذا وجد الاهتمام وشعر بأن كل ما يحيط به إنما وُجد لخدمته، المريض إذا وجد من يسمعه ويُبصره بطبيعة حالته ومرضه سيتفهم جيدا لو طلبت منه "علاج وتحاليل وإبر خياطة من برة" سيتفهم عدم وجود إمكانيات في المستشفى، لكن أن تطلب من مريض اختار اللجوء لمستشفى حكومي بسبب بساطة حاله أن يشتري كل المستلزمات من الخارج دون أن يعرف سببُا لذلك أو “ يفهم هو عنده ايه” فهي المشكلة في حد ذاتها.

في أحد المساءات الماضية، اضطررت إلى اللجوء إلى أقرب مستشفى بطفل عمره عام، وكنت أحتاج على الفور لعمل أشعة مقطعية اضطرارية على المخ نظرُا لاشتباه في ارتجاج، الموقف لم يكن يحتمل تعقيدات إدارية أو قائمة انتظار .. فقط احتجنا لطبيب وجهاز أشعة مقطعية متوفر وإحساس من العاملين في المستشفى بالمسؤولية.

أقرب مستشفى متواجد به هذا الجهاز كان مستشفى الرحمانية المركزي، هذا البناء الصرحي الصغير في محافظة البحيرة والذي تفاجأت بوجود جهاز أشعة مقطعية به منذ شهور، استقبلنا الموظف المسؤول باهتمام عندما أدرك حالة الطفل، توجه بنا إلى قسم الأطفال واستأذن الجميع من أهالي الأطفال المرضى بأن طفلًا حالته طارئة فأذن له الجميع بالعرض أولا على الطبيبة المختصة التي أحالته بدورها في دقائق معدودة لقسم الأشعة .. وبنفس السرعة توجه الموظف مع الحالة لعمل الأشعة، ونظرًا لأن الجهاز جديد ولا يطبع تقارير لعدم وجود استشاري أشعة بالمستشفى، تصرف الموظف - كما هو الحال مع جميع الأشعة - وصورها على هاتفه المحمول وعرضها على الطبيبة المختصة بقسم الأطفال مجددًا.

الموقف ربما يكون طبيعيًا للبعض، لكنه لأهلية المريض يعني الكثير والكثير، أن تجد الخدمة في مستشفى حكومي دون غيرها، أن تجد بدلًا من طبيب واحد في قسم الأطفال أكثر من طبيب، أن تجد موظفين يعرفون المعنى الحقيقي لكلمة "طوارئ" ويترجمونها فعليًا إلى إجراءات عملية، أن تجد أطباء يهتمون ومرضى يجدون منظومة تسير كما ينبغي لها ويتفهمون أن لكل حالة ظروفها، وكم كان عظيما عندما استأذن الموظف المرضى فانسحبوا من صف الانتظار إلى الخلف متمتمين بالدعاء للطفل.

إذن.. المطلوب ليس الإمكانيات كلها.. فالمستشفى فيه جهاز أشعة مقطعية لكنه لا يحرر التقارير، ويستعيض عن ذلك بالتصوير والعرض على الطبيب .. المطلوب هو وجود منظومة واعية، ومسؤولون يدركون قيمة ما يقدمونه من خدمة، وطبيب يُقدر جهل المريض بحالته ويراعي صرعةذويه عند وقوع المكروه.

ومن قنا إلى الرحمانية تبقى الفوارق في المنظومة لا في الإمكانيات، ويبقى العنصر البشري هو أساس النظام والانتظام.

التجربة علمتني أن مستشفى الرحمانية الصغير يُدار بالقلب والوعي والإتقان والإدارك، لا بالإمكانيات والأجهزة والمستلزمات، ولذلك لم أندهش عندما عرفت أن مستشفى الرحمانية هذا يعتبر الأميز في محافظة البحيرة على مستوى العناية وحضانات الأطفال باعتبارهما الأكثر حاجة للمتابعة والتواجد والملاحظة الدائمة، وكم وددت أن تكون كل المستشفيات في البلد مستشفى الرحمانية.