قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

علي جمعة: معرفةُ الله أصل الإيمان وأساس العبادة والغاية التي من أجلها خُلق الإنسان

الدكتور علي جمعة
الدكتور علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة مفتى الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف إن أولُ ما يجب على المؤمن معرفةُ الله سبحانه وتعالى؛ فمعرفته أصل الإيمان، وأساس العبادة، والغاية التي من أجلها خُلق الإنسان.

التفكر والنظر

وأشار إلى أنه قد أمرنا الله عز وجل في كتابه بالتفكر والنظر المستقيم؛ حتى نهتدي بذلك إلى معرفته، ونصل إلى اليقين به سبحانه وتعالى. فلم يخلق الله الجن والإنس عبثًا، وإنما خلقهم لعبادته، كما قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

ولا تتحقق العبادة على وجهها الصحيح إلا بعد المعرفة؛ لأن الإنسان إنما يعبد ربًّا عرفه، وآمن به، وتيقن من كماله وجلاله.

والتفكير المستقيم يقتضي أن ندرك الواقع على ما هو عليه، وألا نغيّر الحقائق تبعًا لأهوائنا ورغباتنا؛ ولذلك ذمَّ الله تعالى الكذب والافتراء وشهادة الزور، وحذَّر من تحريف الحقائق، ومن نسبة ما لم يقع إلى الواقع.

وقد حذَّر رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق، من الكذب عليه، فقال في الحديث المتواتر:

«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».

الكاذب على رسول الله

وذلك لأن الكاذب على رسول الله ﷺ ينسب إليه ما لم يقله، ويدخل في الدين ما ليس منه، ويجعل الوهم حقيقة، والباطل حقًّا، فيفسد على الناس دينهم وعقولهم.

والإسلام يريد من الإنسان أن يكون صادقًا مع نفسه، وصادقًا مع الناس، وصادقًا في إدراكه للكون من حوله؛ فلا يتعامل مع الظنون والأوهام على أنها حقائق، ولا يبني أحكامه على ما لم يثبت.

أركان التفكير المستقيم

ومن أركان التفكير المستقيم أن نبتعد عن الأوهام، وألا نردّد كل ما يصل إلينا من أخبار من غير فحص أو تثبت؛ فقد قال رسول الله ﷺ:

«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».

ومن أركان التفكير المستقيم أيضًا أن نقيم البرهان والدليل على ما نقول، وألا نكتفي بالدعاوى والأماني؛ فقد قال الله تعالى:

﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].

فالأماني ليست دليلًا، وارتفاع الصوت لا يصنع حقيقة، وكثرة المرددين لا تحوّل الباطل إلى حق؛ وإنما تُعرف الأشياء بالبرهان، وتثبت الدعاوى بالدليل.

ومن التفكير المستقيم أن يعلم الإنسان أنه مسؤول عما يتلقاه، وعما يعتقده، وعما يبني عليه أقواله وأفعاله؛ فالسمع والبصر والفؤاد ليست أدوات مهملة، وإنما هي نِعم سوف يُسأل الإنسان عنها، كما قال سبحانه:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

ومن أركانه كذلك أن نبتعد عن الخرافة، وأن نسعى إلى عمارة الكون، لا إلى تخريبه وإفساده. فالتفكير المستقيم لا يقف عند تصحيح الأفكار والعقائد، بل يظهر أثره في العمل النافع، وفي خدمة الناس، وفي ترك أثر محسوس ينتفع به الخلق.

قال الله تعالى:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].

وقال رسول الله ﷺ:

«أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».

فالعمل النافع الدائم، وإن كان قليلًا، خير من عمل كثير ينقطع، وخير الأعمال ما جمع بين الإخلاص، والإتقان، والدوام، ونفع الناس.

وهكذا يؤدي التفكير المستقيم إلى معرفة الله، ويقود الإنسان إلى اليقين، ويعينه على عمارة الكون ونفع الخلق، ويبعده عن الترهات والخرافات، وعن الكذب وشهادة الزور.

كما يحرر التفكير المستقيم الإنسان من سلطان الهوى؛ لأن الهوى إذا استولى على العقل أفسد النظر، وجعل الإنسان يرى ما يريد أن يراه، لا ما هو ثابت في الحقيقة.

قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43].

ولا تستقيم المناقشة مع من جعل هواه حاكمًا على الحق؛ لأن الحوار حينئذ لا يقوم على دليل، ولا ينتهي إلى نتيجة. فالمجادلة النافعة لا بد أن تقوم على طلب الحقيقة، والاستعداد لقبول البرهان، والتجرد من الهوى والتعصب.

وقد واجه المشركون دعوة رسول الله ﷺ بالدعاوى المجردة من الدليل، واتهموه بما هو بريء منه، فقال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: 4].

فردَّ الله تعالى دعواهم، وكشف ما اشتملت عليه من الظلم والزور. ومن هنا كان لزامًا علينا أن نواجه الدعاوى الكاذبة بالحجة والبرهان، وأن نكشف زيف الأكاذيب؛ حتى تتحرر عقول الناس من الأوهام، ولا تتحول الشائعة إلى حقيقة، ولا يصير الافتراء أمرًا مسلَّمًا به.

إن الأمر كله مؤسَّس على العلم والتفكير المستقيم؛ فأول واجب علينا معرفة الله، وطريق هذه المعرفة هو النظر الصحيح، القائم على الحقائق والبرهان، والبعيد عن الوهم والخرافة واتباع الهوى.

فإذا استقام فكر الإنسان، صحَّ اعتقاده، وصلح عمله، وأدَّى رسالته في عمارة الكون، ونفع الناس، وتزكية النفس.