لا يوجد بيت من البيوت المصرية يخلو من المرور بتجربة الثانوية العامة، فيتحول في ذلك التوقيت إلى مسرح من المشاعر المتضاربة سواء من أرق يتسلل تحت الجفون وسهر طوال الليل وأمهات يرفعن أكف الدعاء مع كل أذان. ولكن في السنوات الأخيرة تسلل إلى هذا المشهد التربوي مفهوم غريب وبدأت ملامح المعركة تتغير ببطء ودهاء حيث أصبحت "الفهلوة" بديلة للمثابرة وتضارب الدرجات ظاهرة تتكرر كل عام لترسخ انطباعاً بأن المجهود وحده لم يعد الكفيل للوصول للتفوق، فلم يعد الغش مجرد ورقة مطوية تهرب من عين الملاحظ في لحظة غفلة، بل تحول لدى البعض إلى خيار يناقش ببرود وكأنه الخطة البديلة المشروعة للنجاح والتفوق أيضاً والأخطر من ذلك أنه أصبح يُرى كأنه الطريق الأسهل وسط ضغوط هائلة، ويبرر بعبارات شائعة مثل "الكل بيعمل كده" أو "المنظومة هي اللي أجبرتنا".
إن هذه الظاهرة لم تُولد في الفراغ، بل هي نتاج تراكمات معقدة من أبرزها اختزال قيمة الطالب كلياً في مجموع الدرجات. فحين تشعر الأسرة أن مستقبل ابنها متوقف على نصف درجة، يتحول الامتحان من وسيلة قياس إلى معركة بقاء تُباح فيها الأسلحة كافة. يُضاف إلى ذلك طبيعة العصر الرقمي السريع الذي لغى فكرة "التراكم" والجهد الشاق، وجعل الصبر على المذاكرة يبدو عبئاً غير منطقي بالنسبة لبعض الأبناء، خاصة مع تطبيع "الفهلوة" على منصات التواصل الاجتماعي ومقارنة النفس بأشخاص وصلوا للقمة بلا تعب.
ويزيد الطين بلة حالة تضارب الدرجات والأزمات التي تطفو على السطح عقب ظهور النتائج من طلاب اجتهدوا طوال العام فيفاجأون بأرقام لا تعبر عن ما بذلوه من مجهود وآخرون نالوا درجات مرتفعة بطرق ملتوية.
هذه الأزمات التي امتدت إلى أروقة وزارة التربية والتعليم والشارع المصري لم تكن مجرد اعتراضات عابرة، بل تمس شرياناً حيوياً اسمه "العدالة وتكافؤ الفرص". فحين يستيقظ طالب مجتهد قضى عاماً بذل فيه من التعب والسهر لينتظر حصاد ذلك يجد نفسه أمام درجات هضمت حقه، فينتج عن ذلك تسلل الشك إلى الوعي المجتمعي وتتساءل الأسر بحسرة "هل ما زال للمجهود قيمة؟ أم أن تجاوز القوانين هو الأضمن للوصول؟".
والخطورة هنا لا تكمن في الدرجة المزيفة أو التنسيق الجامعي فحسب، بل في الشرخ النفسي والتربوي الذي يصيب وجدان هذا الجيل. فالشاب الذي يقتنع في سن السابعة عشرة أن "الفهلوة" وتزييف الحقائق هما أقصر الطرق للوصول، أو يرى المجتهد يُهدر حقه لصالح من أستخدم التحايل، كيف سنطلب منه غداً أن يكون طبيباً أميناً لا يتاجر بمرضاه، أو مهندساً يبني بضمير، أو مسؤولاً يراعي الأمانة؟.
إن الخروج من هذه الأزمة واستعادة اتزان العملية التعليمية يتطلبان وقفة صريحة تبدأ من البيت، بفك الارتباط الشرطي بين الحب والتقدير وبين الرقم في الشهادة، وترسيخ أن السعي الشريف هو الأهم. كما تتطلب إرادة حقيقية لتطوير منظومة التقييم لتعتمد على الفهم والتفكير النقدي الذي يصعب تزييفه، مع فرض الشفافية المطلقة والمحاسبة الحاسمة لمنع تضارب النتائج وإعادة الحقوق لأصحابها. إن النجاح الحقيقي لم يكن يوماً في السرعة ولا في قطف الثمار قبل نضجها، بل في النقاء والطهارة التي نصل بها إلى خط النهاية، وحان الوقت لنعيد للجهد اعتباره، وللضمير هيبته، ليبقى أبناؤنا أقوياء بشرفهم لا بفهلوة عابرة.