كشفت تقارير ودراسات حديثة عن مخاوف متزايدة بشأن الاستخدام طويل المدى لمضادات الاكتئاب، في ظل تزايد أعداد الأشخاص الذين يستمرون في تناول هذه الأدوية لسنوات، وسط تحذيرات من احتمال ارتباط استخدامها لفترات طويلة بعدد من المشكلات الصحية، من بينها اضطرابات القلب وزيادة الوزن والسكري من النوع الثاني.
هل الاستخدام الطويل لمضادات الاكتئاب آمن؟
وبحسب تقرير نشرته صحيفة Daily Mail، حصل نحو 9 ملايين شخص في إنجلترا على وصفات لمضادات الاكتئاب خلال العام الماضي، أي ما يقرب من شخص واحد من كل 6 أشخاص، بينما تشير الأرقام إلى أن نحو نصف مستخدمي هذه الأدوية يتناولونها لأكثر من عامين، وربعهم تقريبًا يستخدمونها لأكثر من 5 سنوات.
وتُستخدم مضادات الاكتئاب على نطاق واسع لعلاج الاكتئاب والقلق، كما قد يصفها الأطباء في بعض الحالات لعلاج اضطرابات النوم واضطراب ما بعد الصدمة وبعض أنواع الألم المزمن.
ورغم أن هذه الأدوية قد تكون فعالة ومهمة للعديد من المرضى، يشير خبراء إلى أن المعلومات المتوافرة حول آثار استخدامها لسنوات طويلة لا تزال محدودة، كما أن بعض الدراسات رصدت ارتباطًا بين الاستخدام طويل المدى وبعض المشكلات الصحية.
وشدد الخبراء على أن وجود ارتباط في الدراسات لا يعني بالضرورة أن مضادات الاكتئاب هي السبب المباشر في الإصابة بهذه الأمراض، خاصة أن الاكتئاب نفسه يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والسمنة وغيرها من المشكلات الصحية.

مضادات الاكتئاب وخطر الإصابة بمشكلات القلب
ومن أبرز المخاوف التي أثارتها الأبحاث تأثير بعض أنواع مضادات الاكتئاب على القلب.
وتشير بعض الدراسات إلى أن أنواعًا معينة من مضادات الاكتئاب، وخاصة بعض أدوية SNRI ومضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات، يمكن أن تؤثر في معدل ضربات القلب وضغط الدم.
كما يدرس الباحثون احتمال تأثير بعض مضادات الاكتئاب على ما يعرف باسم فترة QT في تخطيط القلب الكهربائي، وهي الفترة التي تعكس المدة التي يحتاجها الجزء السفلي من القلب للانقباض والاستعداد للنبضة التالية.
وفي حال إطالة هذه الفترة بشكل كبير، يمكن أن يرتفع خطر الإصابة باضطرابات خطيرة في نظم القلب، وقد تظهر أعراض مثل خفقان القلب والدوخة، وفي حالات نادرة للغاية قد تحدث مضاعفات قلبية خطيرة.
وأشار التقرير إلى دراسة عُرضت عام 2025 في مؤتمر للجمعية الأوروبية لأمراض القلب، وجدت ارتباطًا بين استخدام مضادات الاكتئاب لمدة تتراوح بين عام و5 أعوام وزيادة خطر الموت القلبي المفاجئ بنسبة 56%، مع ارتفاع الخطر لدى الأشخاص الذين استخدموا الأدوية لفترات أطول.
ولكن هذه النتائج لا تثبت أن مضادات الاكتئاب تسببت في الوفاة القلبية، إذ إن الدراسات الرصدية قد تتأثر بعوامل أخرى مرتبطة بالاكتئاب والحالة الصحية للمريض.

زيادة الوزن والسكري من النوع الثاني
من الآثار الجانبية المعروفة لبعض مضادات الاكتئاب زيادة الوزن، وهو ما قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى ارتفاع خطر الإصابة بمشكلات صحية مرتبطة بالسمنة.
كما تشير أبحاث إلى وجود ارتباط محتمل بين الاستخدام طويل المدى لمضادات الاكتئاب ومرض السكري من النوع الثاني.
ويرى الباحثون أن زيادة الوزن قد تفسر جزءًا من هذا الارتباط، مع وجود احتمالات أخرى تتعلق بتأثير بعض الأدوية في تنظيم مستوى السكر في الدم.

هل تزيد مضادات الاكتئاب خطر الكسور؟
لفت التقرير أيضًا إلى وجود أدلة تشير إلى ارتفاع خطر الإصابة بالكسور لدى بعض الأشخاص الذين يستخدمون مضادات الاكتئاب، خاصة كبار السن.
وكانت هيئة تنظيم الأدوية والرعاية الصحية في بريطانيا قد حذرت في وقت سابق من أن الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 50 عامًا ويتناولون بعض أنواع مضادات الاكتئاب قد يكونون أكثر عرضة لكسور العظام.
ولكن تحديد السبب المباشر يظل أمرًا معقدًا، لأن الأشخاص المصابين بالاكتئاب قد يكونون أكثر عرضة لقلة النشاط البدني والتدخين وسوء التغذية، وهي عوامل يمكن أن تؤثر أيضًا في صحة العظام.

مضادات الاكتئاب والذاكرة والخرف
أما العلاقة بين مضادات الاكتئاب والخرف وتدهور القدرات الإدراكية فلا تزال أقل وضوحًا، وفق التقرير.
ويرجع ذلك إلى أن الاكتئاب نفسه يعد أحد عوامل الخطر المرتبطة بالتدهور المعرفي، ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان التأثير ناتجًا عن المرض النفسي نفسه أم عن الأدوية المستخدمة في علاجه.

تحذير من إيقاف مضادات الاكتئاب فجأة
وشدد الخبراء على نقطة مهمة، وهي أن المرضى لا يجب أن يتوقفوا عن تناول مضادات الاكتئاب من تلقاء أنفسهم.
فالاستخدام لفترات طويلة قد يجعل أعراض الانسحاب أكثر وضوحًا لدى بعض الأشخاص، ومن بينها اضطرابات النوم والقلق وانخفاض الحالة المزاجية وأعراض شبيهة بالإنفلونزا، بالإضافة إلى ما يصفه بعض المرضى بـ"الصدمات الكهربائية في الرأس" .
لذلك يجب أن يتم تقليل الجرعة أو إيقاف الدواء بإشراف الطبيب وبشكل تدريجي وفقًا لحالة كل مريض.
وأكدت الجهات الطبية أن لكل نوع من مضادات الاكتئاب فوائد ومخاطر محتملة تختلف من دواء لآخر، وأن قرار الاستمرار في العلاج أو تغييره يجب أن يتم بالتعاون مع الطبيب المعالج.

هل يجب التوقف عن مضادات الاكتئاب؟
ولا تعني هذه النتائج ضرورة توقف المرضى عن تناول مضادات الاكتئاب. فهذه الأدوية يمكن أن تكون علاجًا مهمًا وفعالًا لبعض الأشخاص، خاصة في حالات الاكتئاب الشديد أو المتكرر.
ولكنها تؤكد أهمية إعادة تقييم العلاج بشكل دوري، خصوصًا عند استخدام مضادات الاكتئاب لسنوات طويلة، ومناقشة الطبيب حول الفوائد والمخاطر المحتملة والاستمرار في العلاج من عدمه.

