أكد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أنه مما لا شك فيه أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله ليكون دستورا لجميع أفراد البشر على مختلف لغاتهم وثقافاتهم وألوانهم من دون تمييز، وهذا الأمر ليس ادعاءً، بل هو حقيقة، تؤكدها الكثير من آيات القرآن الكريم، فالقرآن كتاب مُرسل إلى البشرية جمعاء.
وقال المركز فى تقرير له بعنوان "حول عالمية القرآن"، إنه حينما نتدبر في كثير من آيات الذكر الحكيم نعرف أن كثيرًا من الآيات القرآنية تدل صراحة على أن القرآن الكريم ليس -كما يتصور البعض- كتابًا خاصًا بالعرب، بل هو كتاب عام خاطبَ به الله جميع أفراد النوع الإنساني، وهو المنهج الإلهي الكفيل بإسعاد الإنسان أسودِه وأبيضِه، عربيِّه وعجميِّه، شرقيِّه وغربيِّه، حيث إننا نجد الخطاب الإلهي في كثير من الآيات خطابًا عامًا و شاملًا، وغير محدودٍ بحدودٍ إقليميةٍ أو لغوية أو قومية أو عِرقية، غير محصورٍ داخل أُطُرٍ ضيقة .
وأشار التقرير إلى نماذج من الخطابات القرآنية العامة الكثيرة، كالتالي:
أولا: الخطابات القرآنية العامة كثيرة جدا، ونُشير إلى نماذج منها في ما يلي:
1- خطاب القرآن للعقلاء :
لقد وجَّه الله تعالى خطابه للعقلاء في كثير من آيات القرآن الكريم ، و لم يتعرض للغتهم أو قومياتهم أبدًا ، و هذه الآيات كثيرة نُشير إلى بعضها:
قال الله عزوجل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].
وقال عَزَّ مِنْ قائل: { وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}[النحل:12]
2- خطاب القرآن للإنسان :
كما أن الله وجَّه خطابَهُ للإنسان في كثير من الآيات ولم يتعرض للغة هذا الإنسان أو جنسه، وإليك بعضَ الأمثلة على ذلك:
قال الله عز من قال: { يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق:6].وقال تعالى :{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [القيامة:3-6],وقالI: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:36-40].
3-خطاب القرآن للناس:
كما أن القرآن وجه خطابه إلى الإنسان مفردًا، كذلك وجَّه خطابه إلى الناس في عدد من الآيات القرآنية الكريمة، ولم يخصَّ فئة دون أخرى، وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
قال عَزَّ مِنْ قائل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم:1]، وليس في هذه الآية ذكرٌ للغةٍ خاصة أو قوم خواص، بل الآية تصرح بأن القرآن منزل ليكون وسيلة لإخراج الناس جميعًا من دون تمييز من الظلمات إلى النور.
و كذلك قوله جَلَّ جَلالُه : {إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}[الزمر:41].
ولو تأملنا الخطاب القرآني خاصة في المسائل العامة كالدعوة إلى عبادة الله والتوحيد وغيرهما لوجدناه خطابًا عامًّا، حيث يكون الخطاب فيها بـ(يا أيها الناس)، ومثال ذلك سورة الحج؛ فإن فيها خطاباتٍ متعددةً للناس جميعًا، كما في قول الله عزوجل : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1].
وكما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5].
4- خطاب القرآن للعالَمين:
ذكر القرآن كثيرًا أنه كتاب أنزل للعالمين جميعًا بل أكد على ذلك فورد لفظ "العالمين" دالًا على عالمية الرسالة وأن القرآن نزل إلى الناس كافة ، ومن تلك الآيات:
قال الله تعالى: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}[القلم:51-52].
و قال سبحانه :{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}[يوسف:104].
قال ابن منظور: العالَمُ : الخَلْق كلُّه، و قال الزجاج: معنى العالمينَ كل ما خَلق الله، كما قال: وهو ربُّ كل شيء، وهو جمع عالَم. (لسان العرب:12/421).
كما ورد ما يدل على أن سيدنا النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- قد أرسله الله تعالى للعالمين جميعًا، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107]، وقال سبحانه: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158].
وتسائل: كيف يرسل الله- عز وجل-، نبيه- صلى الله عليه وسلم-، إلى الناس كافة، ثم ينزل القرآن للعرب خاصة؟!!! بل القرآن دستور الإسلام، أنزله الله للناس أجمعين، وإنما كان نزوله باللغة العربية؛ لأنها من أشمل اللغات وأوسعها، وهي اللغة الوحيدة التي تحتمل معاني القرآن.
واختتم التقرير بأنه لا زال غير العرب منذ عهد النبي- صلي الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا يقرأون القرآن ويحفظونه، ومن لم يستطع قراءة القرآن لعُجمته فقد تُرجمت معاني القرآن لغير العرب، وكل المسلمين الآن من مشارق الأرض إلى مغاربها، عربيها وعجمها يعلمون ذلك علم اليقين، ومن أراد قراءة القرآن فيمكنه تعلم اللغة العربية لقراءته، والواقع خير شاهدٍ على هذا.