ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

محمد النجار يكتب: فريضة الزكاة.. حكم وأحكام

الإثنين 20/مايو/2019 - 11:51 ص
صدى البلد
فريضة الله على الأغنياء: إن الزكاة فريضة شرعية وركن من أركان الإسلام الخمسة. وقد قرنها الله تعالى بالصلاة في أربعة وعشرين موضعًا من كتابه الكريم، في سور بعضها مكي النزول وبعضها مدني، مع أن الزكاة لم تفرض على المسلمين إلا في السنة الثانية للهجرة (السيرة النبوية لابن كثير ج2، ص379)، وإن الزكاة قبل ذلك التاريخ وعلى مدار أربعة عشر عامًا منذ نزول الوحي على النبي  كانت معروفة لدى المسلمين، حيث ذكرها القرآن في عديد من الآيات التي نزلت في ذلك الوقت في مكة من مثل قوله تعالى في سورة المعارج {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)} (سورة المعارج آيات 24: 25) وإن ذلك يعني أن أصل الزكاة كان مفروضًا على المسلمين منذ بداية الإسلام، لكنها لم تكن محددة المقدار، وكانت متروكة لتقدير الفرد، ورؤيته، ومدى رغبته في البذل والإنفاق، فلما هاجر النبي  إلى المدينة فرضت الزكاة بأنواعها وأنصبائها، فتحددت الشرائع المتعلقة بها تحديدًا منضبطًا، وأصبح للفقراء والمحتاجين في مال أصحاب الأموال نصيبًا معلومًا ومحددًا شرعًا، لا مدخل فيه للهوى ولا للرأي، كما أنها لا تحمل معنى التفضل والإحسان من المنفق على المنفق عليه، فلم تعد الزكاة منذ العام الثاني للهجرة موكلة لضمائر أصحاب الأموال، كما في سائر الأديان، فهي ليست تبرعًا ولا منحة من الغني للفقير، ولكنها فرض افترضه صاحب المال الحقيقي وهو الله تعالى، على من استخلف عليه أن يؤديه لمن تتوافر فيهم أوصاف الحاجة والعوز على النحو الوارد بيانه في الآية رقم ستين من سورة التوبة. ولذلك يحرص صاحب المال في الإسلام على إعطاء المحتاجين زكاة ماله بقدر حرصهم على الحصول عليها أو أشد، لأنها ركن من أركان دينه، ولأنها طهرة له وطهرة لماله وبراءة له من حق الله تعالى، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله  يقول: «ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته» (مسند الحميدي، رقم: 239) .

زكاة الأموال وزكاة الأبدان: الزكاة التي فرضها الله تعالى علينا إما زكاة أموال أو زكاة أبدان، فأما زكاة الأموال فهي الزكاة التي لها تعلق بالأموال، (النقود، والذهب والفضة، وعروض التجارة، والزروع والثمار، والأنعام)، وأما زكاة الأبدان فهي زكاة الفطر، وقد سميت بزكاة الأبدان لأنها لا تتعلق بمال مخصوص بل تتعلق بالشخص المسلم القادر على أدائها.

فأما زكاة الأموال، فهي تجب في النقود والذهب وعروض التجارة بشرطين: هما بلوغ النصاب وحولان الحول، فإذا بلغ المال مقدار خمسة وثمانين جرامًا من الذهب الخالص، فقد وجب إخراج ربع العشر 2.5% عند نهاية العام الهجري، يحسب العام من بداية ملك صاحب المال للنصاب. فإذا ملك نصابا في شهر ما فقد وجب إخراج الزكاة في هذا المال وما زاد عليه (نمائه) من جنسه، في نفس الموعد من كل عام. وقد مال في هذا العصر كثير من الفقهاء إلى الرجوع في تقويم النقود الورقية وكذلك عروض التجارة إلى نصاب الذهب دون الفضة، وذلك لثبات القدرة الشرائية للذهب، فإن نصاب الذهب – خمسة وثمانين جرامًا أي عشرين دينارًا ذهبيًا - كان يُشترى بها في عهد النبي  عشرون شاة من شياه الحجاز تقريبًا، وكذلك كان نصاب الفضة وهو مئتا درهم، كان يُشتَرى بها عشرون شاةً تقريبًا أيضًا، أما في عصرنا الحاضر فلا تكفي قيمة مئتي درهم من الفضة إلا لشراء شاة واحدة، بينما العشرون دينارا من الذهب تكفي الآن لشراء عشرين شاة من شياه الحجاز أو أقل قليلًا، فهذا الثبات في قوة الذهب الشرائية تتحقق به حكمة تقدير النصاب على الوجه الأكمل، بخلاف نصاب الفضة، وقد مالت إلى العمل بهذا القول دار الإفتاء المصرية، في الفتوى رقم 2279/2017م.

أما الأنعام فالزكاة فيها لا تجب إلا بشروط ثلاثة: النصاب، وحولان الحول، وأن تكون سائمة، ومعنى سائمة أي لا يُنفق مالكها على أكلها، ولكن تأكل من الأرض، من الحشائش والأعشاب ونحو ذلك، فإذا كانت غير سائمة فلا تجب فيها الزكاة بوصفها حيوانًا، لكن بوصفها عروض تجارية، إذا كانت معدة للتجارة، وأما إذا كانت سائمة فينظر عند نهاية الحول فإذا بلغت النصاب وجب إخراج الزكاة فيها، فالغنم أول نصابها أربعين، والبقر أول نصابها ثلاثين، والإبل أول نصابها خمسة. على تفصيل ورد في كتب الفقه، يجب على أصحاب الحيوانات أن يراجعوا فيه العلماء، أما الزروع والثمار فإن الزكاة فيها على قول جمهور العلماء لا تكون إلا فيما يكال ويدخر، مثل القمح والأرز والذرة والشعير والتمر والزبيب، فيجب إخراج نصف العشر منها عند الحصاد إذا كانت تُروى بآلة وكلفة، أما إذا كانت تروى بلا كلفة ولا آلة، كأن تكون الأرض في مجرى سيل، أو تُروى بماء السماء، فيجب إخراج العشر منها، أما الخضراوات والفواكه ما عدا التمر والعنب فإن زكاتها تكون في أثمانها وليس في أعيانها، ويكون ذلك عند نهاية الحول وليس يوم الحصاد.

وأما زكاة الفطر، فهي التي تجب بالفطر من رمضان، وقد أوجبها الرسول  على كل مسلم ومسلمة كبير أو صغير، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة».

حكمة تشريع زكاتي الأموال والأبدان: الزكاة فريضة تجمع بين أمرين: امتحان المكلف بمقتضى عبوديته لله تعالى، وتحقيق التكافل الاجتماعي والتعاون بين أفراد المجتمع ضد العجز والكوارث والفقر، وإزالة الحسد والبغضاء وتطهير الأنفس وتنمية الخير في نفوس جميع الناس، كما أنها في الوقت ذاته (حين تقوم الدولة بتحصيلها) تعد موردًا من الموارد المالية المهمة التي تعين الدولة على تحقيق المصالح والمنافع العامة للمواطنين. لكن الملمح المهم الذي ينبغي ألا نغفل عنه، هو أن الإسلام لم يكتف بتشريع الزكاة في الأموال، حتى ضم لها زكاة الفطر، وهي لا علاقة لها بكون الفرد مالكًا لنصاب أو لا، وفي ذلك بُعدين عميقين: أولهما: يتعلق برغبة الإسلام في غرس ثقافة البذل والإعطاء والمنح والجود في نفوس جميع أفراده، حتى وإن لم يكونوا من الغنى والثراء بمحل، إذ هي واجبة على كل من يجد قوت يومه، فالآخذ لها ممن هو أغنى منه، سيعطي منها غيره ممن هو أفقر منه، وبذلك تزداد اللُحمة بين الناس وتتقارب القلوب وتعلو النفوس وتمتلأ بعزة الإنفاق لله. ثانيهما: أن معنى التطهير الحاضر في حكمة تشريع زكاة المال، حاضر كذلك في تشريع زكاة الفطر، لكن التطهير في الأولى يكون للمال من شرِّه، ولنفس المزكِّي من الشح، ولنفس المزكَّى عليه من الحسد والضغينة والحقد والبغضاء؛ أما في زكاة الفطر فإن التطهير يكون من اللغو والرفث الذي يقع في أثناء الصوم (مع التكافل) حاضرًا بقوة كمقصد من أهم مقاصد تشريعها، ولذلك قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (فرض رسول الله  زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) (رواه أبو داود).