ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

توك توك للبيع!

د.طارق منصور

د.طارق منصور

الإثنين 09/سبتمبر/2019 - 10:23 ص
يقول الشاعر الكبير نزار قباني في قصيدته "إلى رجل":

فــإن مـن بـدأ المأســــاة ينهيـــها
وإن من فتــح الأبــواب يغلقــها
وإن من أشعل النيران يطفيها

والحق أنني أوجه هذه الأبيات إلى كل مسئول في هذا الوطن سمح باستيراد التوك توك، وإلى كل رجل غض الطرف عما سببه التوك توك من مآس بين المواطنين وحالات اعتداء من بعض سائقيه على أطفال وفتيات، وإلى كل من غض الطرف عن مشكلة سببتها الحكومات المتعاقبة على مدار ما يزيد على عِقد كامل، حتى أصبح تعداد التوك توك في مصر ما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين مركبة، لا ضابط لها ولا رابط.

هذا الكم الهائل من المركبات الثلاثية العجلات لم نعرف حقيقة اسمها في الهند (بلد المنشأ) حتى الآن؛ وكل ما نعرفه أن المصريين –من باب الدلع- أطلقوا عليها اسم توك توك؛ وهو اسم إيقاعي يشير إلى أنه يدب في كل مكان دبا كإيقاع حوافر الخيل.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه: هل ساهم التوك توك فعليًا في حل مشكلة الانتقالات داخل الأحياء الشعبية والقرى والنجوع؟ الإجابة: نعم بكل تأكيد، بل ساهم أيضًا في حل جزء من مشكلة البطالة. فقد استطاعت هذه المركبة، وهي من عائلة التروسيكل، أن تتغلغل بين الحارات والأزقة التي تعج بها الأحياء الشعبية والقرى والنجوع، وهو ما عجزت عنه المركبات الأخرى، وساهم كثيرًا في نقل الأسر المحدودة الدخل وكبار السن والمرضى بأجر زهيد نسبيًا، ممن لم تمكنهم ظروفهم المادية من استئجار عربات لقضاء حوائجهم.

غير أن المشكلة الرئيسية نجمت عن أن الحكومات المتعاقبة فتحت باب الاستيراد لهذا التروسيكل ورفضت ترخيصه في ذات الوقت، ومن هنا بدأت المأساة. ورغم ارتفاع الأصوات وصخب الأقلام إلا أن المسؤولين صموا آذانهم، وظل باب الاستيراد مفتوحًا، لتتلوث شوارع مصر المحروسة بالتوكتوك الذي زحف بكل فجور نحو شوارع القاهرة وأحيائها الراقية.

وإذا كان سائقو التوك توك في بدايات الأمر قد حملوا رخص قيادة، فقد أصبح يقوده لاحقًا أطفالًا دون السن القانونية، يحترفون التسابق والمقصات والغرز مع أصوات الكاسيت الملوثة للبيئة بأغاني المهرجانات. 

ومما زاد الطين بلة، هجران بعض أصحاب المهن الحرة حرفهم، وتحولهم إلى قيادة التوك توك بغية الكسب السريع الذي قد يصل إلى أربعمائة جنيه في اليوم الواحد، فبارت حرف بعينها وارتفعت أجرة العاملين بها على أثر ذلك.

والآن، أعلنت الحكومة عن مشروع يشابه مشروع التاكسي الأبيض، الذي بدأ نظيفًا في فكرته وأدائه، وانتهى نهاية تراجيدية. وخلاصة المشروع هو استبدال التوك توك بسيارة ميني فان كالتي تسير في شوارع بنها، أو كالتي تقف بميدان الأوبرا، وتحمل سبعة ركاب. 

والآن دعونا ننوه إلى بعض النقاط، رغم وجاهة المشروع وأهميته الحضارية:

الأولى: أن نجاح التوك توك بين المصريين كان بسبب وصوله إلى عمق الحواري والأزقة وشوارع الأحياء والقرى والنجوع الضيقة، ويحمل فردًا أو اثنين لأسرة واحدة فيوفر لهم خصوصية وسرعة انتقال، بأجر زهيد، وهو ما لم تحققه المركبات الأخرى.

الثانية: أن ثمن التوك توك رخيص للغاية فقد يصل إلى 17000 أو 20000 جنيه، مقارنة بسيارة ميني فان قد يتعدى ثمنها 140000 جنيه، وهو ما سيعجز مالك التوك توك عن سداده، ومن ثم قد لا تلقى الفكرة إقبالًا بين ملاك التكاتك.

الثالثة: قلة أعطال التوك توك ورخص قطع غياره وصيانته الزهيدة، والتي يقوم بها السائق بنفسه، مع الوضع في الإعتبار أن سائقي التوك توك بوضعهم الحالي لا يدفعون أية ضرائب للدولة. 

لذا، إذا أردنا نجاح مشروع الميني فان، يجب أن نراعي أن يتم تصنيع سيارة هندية أو مصرية بمواصفات خاصة تحقق الغرض الذي نجح التوك توك في تحقيقه، وبثمن زهيد لا يبعد كثيرًا عن ثمن التوك توك الحالي، وجعل أمر الاستبدال إجباريًا على كافة سائقي التوك توك؛ مع وقف استيراد التكاتك نهائيًا؛ ولا يجب أن نغفل الدعم الإعلامي للمشروع وتوعية السائقين بأهميته الحضارية.
AdvertisementS
AdvertisementS