ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

تحولات الخطاب السياسي الصيني

د.سالم الكتبي

د.سالم الكتبي

الخميس 05/نوفمبر/2020 - 03:53 م
من يتابع صعود الصين، كقوة كبرى صاعدة، يدرك أن هناك تحولات متدرجة ومحسوبة في خطاب القيادة الصينية، ويدرك أيضًا أن هذه التحولات قد تزايدت بوتيرة متسارعة في السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ تولي الرئيس دونالد ترامب السلطة، حيث شهدت العلاقات الأمريكية ـ الصينية العديد من الصدامات والتوترات على خلفية العلاقات التجارية والاقتصادية، وفرض العديد من العقوبات الاقتصادية على بكين، ما اضطر الأخيرة إلى إطلاق آلية تسمح لها بالحد من نشاطات الشركات الأجنبية، في إجراء يعتبر بمثابة رد على العقوبات الأمريكية على الشركات الصينية وفي طليعتها هواوي، وهو إجراء يعكس حجم التصعيد في علاقات البلدين، حيث اعتبرت وزارة التجارة الصينية أن "قائمة الكيانات غير الموثوقةالتي ستدرج فيها شركات أمريكية تقوم بأنشطة  "تسيء إلى السيادة الوطنية للصين وإلى مصالحها على صعيد الأمن والتنميةأو تنتهك "القواعد الاقتصادية والتجارية المرعية دوليا"، بمنزلة رد على "الترهيبالذي تمارسه واشنطن بحق شركات صينية،  وتوعدت بأنه "إذا ما استمرت الولايات المتحدة في تحركاتها الأحادية، فستتخذ الصين التدابير الضرورية لحماية الحقوق والمصالح المشروعة للشركات الصينية بشكل حازم".


الأزمة بين البلدين تفاقمت بدرجة كبيرة في أغسطس الماضي حين حدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهلة لتطبيقتيك توكلبيع عملياته في الولايات المتحدة لاتهامه بالتجسس الصناعي والتكنولوجي لحساب بكين، والأمر لم يقتصر على ذلك بل تم إدراج مجموعة "هواويالصينية للاتصالات على قائمة سوداء أمريكية ما يحرمها من دخول السوق الأمريكية ومن الحصول على التكنولوجيات والمكونات الأمريكية المهمة لهواتفها، وسعت الولايات المتحدة أيضًا للضغط على الأوروبيين لحملهم على إقصاء هواوي مستقبلا من شبكات إنترنت الجيل الخامس.



وهناك بطبيعة الحال قضايا سياسية أخرى مثل علاقات الولايات المتحدة بتايوان وهونج كونج وموقفها من قضية الحريات وحقوق الانسان في الصين، ناهيك عن الاتهامات التي يوجهها الرئيس ترامب للصين بتعمد اخفاء الحقائق حول تفشي فيروس "كورونافي بدايته ما تسبب في انتقاله للعالم، وهي اتهامات تنفيها الصين رسميًا وتشعر بالانزعاج حيالها، ما يفسر في مجمله تخلي بكين تدريجيًا وبشكل محسوب للغاية عن حذرها الدبلوماسي الزائد في إدارة العلاقات مع واشنطن، وكانت الإشارة الأكثر بروزًا في هذا الاتجاه قد وردت على لسان الرئيس الصيني شي جين بينغ حيث تحدث في قاعة الشعب الكبرى ببكين، قائلًا إن بلاده لن تسمح مطلقا بتقويض سيادتها وأمنها ومصالحها التنموية، مضيفا أنه ينبغي عدم الاستخفاف بالشعب الصيني، وأضاف شي "أن أي عمل يتسم بالنزعة الأحادية والاحتكار والتنمر لن ينجح ولن يؤدي إلا إلى طريق مسدود"، واقتبس شي قول ماو تسي تونغ، مؤسس جمهورية الصين الشعبية "دعوا العالم يعرف أن شعب الصين منظم الآن وينبغي عدم الاستخفاف به".



صحيح أن الرئيس الصيني شي لم يشر مباشرة إلى الولايات المتحدة في خطابه، ولكن حجم الخلافات المتزايدة بين القوتين الاقتصاديتين الكبيرتين واضح للعالم أجمع، علاوة على أن حديث الرئيس الصيني قد جاء في إطار احتفالات الذكرى السبعين لنشر جيش المتطوعين الشعبي في شبه الجزيرة الكورية  لمساعدة كوريا الشمالية خلال الحرب الكورية التي دارت رحاها بين 1950 و1953، وكانت الولايات المتحدة طرفًا أساسيًا فيها.



إحدى النقاط الأبرز في حديث الرئيس الصيني في تلك المناسبة تتعلق بتوجيهاته باتخاذ خطوات للإسراع بتحديث الدفاع والقوات المسلحة الصينية، وقوله في هذا الإطار "بدون جيش قوي لا يمكن أن يكون هناك وطن قوي"، وهذا يعكس إدراك القيادة الصينية، التي لا تميل عادة للحديث عن الجانب العسكري في القوة الصينية وتركز على الخطط والطموحات التنموية، لمستوى التهديدات الاستراتيجية التي تواجه الصعود الصيني المتسارع وما يواجهه من تحديات قد تضع الصين في موقف يتطلب تدخلًا عسكريًا أو خوض "حرب الضرورةكما يطلق عليها في الأدبيات الاستراتيجية.



المعروف أن الصين لا تميل مطلقًا للإسراع للصدام مع الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة وتعتمد على قوتها الاقتصادية في مراكمة القوة والصعود في مراتب التنافسية العالمية من دون المغامرة بخوض حروب دامية مع القوى الكبرى، ولكن هذا الصعود الصامت يزعج الولايات المتحدة التي باتت تشعر بخطر حقيقي إزاء القوة الصينية المتنامية.



وأعتقد أن الرئيس الصيني لم يتراجع عن فكرة تأجيل المواجهة مع الولايات المتحدة، ولكن البيئة الاستراتيجية التي نشأت إثر تفشي فيروس "كورونا" (كوفيد ـ19) وبروز دور الصين كقوة قادرة على مواجهة التحديات الكبرى، وتقديم يد العون والمساعدة لبقية دول العالم، باتت هذه البيئة تتطلب تعاطيًا مختلفًا نسبيًا خصوصًا في ظل تلويح الرئيس الأمريكي بعصا التفوق العسكري الأمريكي في كثير من المناسبات، وربما أسهم ذلك في تخلي القيادة الصينية عن حذرها في الحديث عن الجانب العسكري في القوة الشاملة التي تتمتع بها البلاد، بمعنى أنه يريد بناء ردع مبكر عبر تذكير المنافسين بأن قوة الصين ليست اقتصادية فحسب بل عسكرية أيضًا، وهذا أحد التكتيكات السياسية الهادفة لدرء الأخطار وتفادي خطأ الحسابات والتقديرات من جانب الآخرين، بمعنى أنه حديث وقائي وليس تصعيديا، فالرئيس الصيني لا يريد أن تظهر بلاده بمظهر الضعيف ولكنه لا يريد أيضًا الصمت على التهديدات، ويسعى إلى ردعها عبر التأكيد على قوة بلاده وقدرتها على الرد على أي تهديدات، وهذا بحد ذاته يمثل تحولًا لافتًا في الخطاب السياسي الصيني ولكنه ليس تحولًا تصعيديًا، ولا يعني تخلي الصين تمامًا عن نهجها السلمي وصعودها التنموي الهادىء، ولكنه يؤكد وجود مقاربة استراتيجية أو تكتيك مختلف في إدارة الأزمة المتفاقمة مع الجانب الأمريكي من خلال الردع المبكر والتلويح بأوراق القوة الصينية وكيف أنها لا تقتصر على القوة الاقتصادية.

Advertisements
Advertisements
Advertisements