الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

في العقل الغربي!


إن أميز ما يميز الحضارة الحديثة التي هي نتيجة لتحرر الفكر هو العقل، هذا العقل الذي اختفى قرونا تحت تأثير الخرافات التي أزاحت العقل من مكانه والمكانة التي يجب أن يتمتع بها، فالأول هو مركز العالم والثانية هي القمة التي يجب أن يتربع عليها.

ونستطيع أن نقول ونحن مطمئنو البال قريرو العين إن رينيه ديكارت (بالفرنسية: René Descartes)‏ (31 مارس 1596 – 11 فبراير 1650)، الفيلسوف، والعالم الرياضي والفيزيائي الفرنسي، والذى يلقب بـ"أبو الفلسفة الحديثة"، هو الذي جعل العقل الأوروبي الأساس الذي بنيت عليه الحضارة الحديثة، حيث لم يعد مقبولا، بعده، أي تفسير لأية ظاهرة طبيعية إلا من خلال ظاهرة طبيعية أخرى.


فلم يعد يسمح هذا العقل الذي دشن ديكارت لعصر جديد له، لم يعد يسمح للآلهة في الديانات القديمة ولا للملائكة ولا الشياطين ولا للعفاريت في الأديان الشمولية أن تسرح وتمرح في الطبيعة تقوم بفعل ذلك أو تحرك ذاك، فلم يعد مقبولا أن يذكر، في الحضارة الحديثة، أن هذا الذي حدث من زلزال على سبيل المثال، ولا وباء، كما هو حاصل اليوم في وباء كورونا، أنه نتيجة لغضب الآلهة، ولا أن هناك "ملاك" أو "جن" قد فعل هذا أو أحدث ذلك، بل إن كل ما يقع في هذا الكون يفسر من داخل هذا الكون.

ولكن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت منذ أن أطلق الكوجيتو الشهير: أنا أفكر، إذًا أنا موجود، قد فرّق منذ اللحظة الأولى ما بين الفكر "المطلق" والوجود المحسوس، تلك الثنائية التي أصابت العقل الغربي إصابات قاتلة، تمثلت في تلك الحرب بين المدرستين الشهيرتين: المثالية والتجريبية. والتي أنكرت كل منهما الأخرى، حيث زعمت الأولى أن الوجود هو تمثّل لما هو موجود في العقل، وذهبت في نظرياتها المعرفية إلى إسقاط الوجود والعالم، كما ذهب جورج باركلي (بالإنجليزية: George Berkeley)‏ (12 مارس 1685 - 14 يناير 1753) الشهير  بلقب «الأسقف باركلي»، والذي يؤكد أن كل ما هو موجود في العالم ليس إلا كونه أفكارا في عقول من يدركونها حسيًا. وفي المقابل فلقد نفى الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (بالإنجليزية: David Hume)‏ (ولد في 26 أبريل 1711 - توفي في 25 أغسطس 1776)، أي دور للعقل في المعرفة. بل ذهب أكثر من ذلك فأنكر العقل ذاته، لهذه الدرجة كان العقل الأوروبي في أزمة، وانفصام.

وكما هو معروف فإن الفلسفات الكبرى تظهر لتحل إشكاليات كبرى، هذا الذي يفسر ظهور فلسفة إيمانويل كانط (بالألمانية: Immanuel Kant) هو فيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر (1724 - 1804).  التي جاءت لتبرأ هذا الصدع الذي سببته فلسفة رينيه ديكارت. والذي حاول البعض تفسيره بأن هذه الثنائية: المثالية والتجريبية هي انعكاس لشخصية ديكارت نفسه: حيث إنه كان عالم رياضيات وفيزياء من ناحية وكان لاهوتيا من ناحية ثانية. فنتجت هذه الثنائية التي حاول ديكارت نفسه أن يردم الهوة بينها دون أن ينجح في ذلك، فلم تسعفه فكرة الغدة الصنوبرية باعتبار أن فيها جزءا أثيريا وآخر ماديا، ومن هنا يمكن الجمع بين الفكر والوجود، فعدم نجاح ديكارت في حل تلك الإشكالية كان السبب في نظرية كانط التي اعترفت بالوجود الخارجي،  في ذات الوقت الذي أعطت للعقل دورا بالغا في المعرفة، حيث اعتبر الوجود هو المواد الخام وأن العقل من خلال مقولاته القبلية هو الذي يقوم بعملية المعرفة.

ولكن ظلت هذه الثنائية مستمرة، وهو أمر طبيعي، حيث إن الفكر والوجود من طبيعتين مختلفتين ومن هنا فالانتقال من أحدهما للآخر أمر غير متحقق، ولا يمكن أن يتحقق، هذه الإشكالية التي هي متجذرة في العقل الغربي الذي يُرِجِع تكوينه إلى أصلين: الأول هو الفلسفة والعقل البيزنطي، والثاني هو الحضارة المسيحية اليهودية، حيث يمكن أن يُمَثّل كل من الفكر والوجود في كل منهما. هذا الذي هو أقرب لتفسير تلك الثنائية، كما ذهب الأردني مجدي ممدوح.

لا يمكن أن تقلل تلك الثنائية الناتجة عن الفلسفة الديكارتية من الدور بل الفضل الهائل لديكارت في الحضارة الحديثة، فنتيجة لما قام به، من تحرير للعقل، جاءت النظريات العلمية وخطى العلم خطوات هائلة فشهدت أوروبا الثورة العلمية، التي كان نتيجتها وفرة في الإنتاج في كافة المجالات، وأصبح الوجود محل بحث ودرس في كافة جوانبه، ولم يعد هناك ما يمكن أن يصبح محرما البحث فيه، ذلك الذي جعل العلم، هو الأقرب لحل تلك الإشكالية المتمثلة في ثنائية: الفكر والوجود. فيظل قانون بقاء الطاقة "الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم" هو الأمر الفصل في أي زعم.

أنطوان-لوران دُ لافوازييه ‏ عاش ما بين 26 أغسطس 1743 - 8 مايو 1794م، أحد النبلاء الفرنسيين ذو صيت في تاريخ الكيمياء والتمويل والأحياء والاقتصاد هذا القانون الذي هو: الكتلة + الطاقة = الطاقة + الكتلة قبل وبعد التجربة.