قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن شهر رمضان يعيد المسلم إلى “التوقيت” الموافق للشرع الشريف، وإلى التقويم السليم لمعايشة اليوم والليلة؛ إلا أننا قد لا نشعر بذلك، بل ربما نشعر بالعكس؛ لأننا نعيش أحد عشر شهرًا على اعتبار أن اليوم والليلة وحدةٌ واحدة من (24) ساعة، تنتهي عند منتصف الليل (00:00)؛ ثم تُعَدُّ الساعات التي تليها من صباح اليوم الجديد، مع أن الليل ما زال مخيِّمًا.
وأضاف جمعة، فى منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، إنه قد تسارع هذا التغيير على يد الخديوي إسماعيل، حيث غيّر نمط حياة الإنسان المصري، فعدّل برنامجه اليومي، واستبدل التقويم الهجري بالميلادي، والساعة العربية بالساعة الإفرنجية، كما غيّر الأزياء ونمط المعيشة.
لقد كانت ساعاتنا قديمًا تُحسب وفقًا لغروب الشمس، بما يتسق مع أوقات العبادات، فكانت الساعة الثانية عشرة تُضبط عند الغروب، ثم تُحسب الساعات بعده (الساعة الأولى من الليل، ثم الثانية…)، ومن ثم كان الناس يفهمون بسهولة قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري:
«من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر».
إذ كانوا يدركون معنى “الساعة الأولى” و“الساعة الثانية” بوصفها مراتب زمنية من أول النهار بحسب نظامهم الزمني.
ثم غلب في العصر الحديث أن تُجعل الساعة (12) نهارًا هي المنتصف، ومن المعلوم أن اليوم عند الساعات المدنية ثابتٌ في الجملة على (24) ساعة، لكن الذي يتغير باختلاف أيام السنة هو موضع “الزوال الشمسي” بالنسبة للساعة؛ أي إن الشمس لا تبلغ كبد السماء عند (12:00) دائمًا، بل يتقدّم ذلك أو يتأخّر على مدار السنة بفارق قد يبلغ نحو (16) دقيقة (وهو ما يُعرف بـ "معادلة الزمن")، فضلًا عن أثر خطوط الطول ونظام المنطقة الزمنية. وهذا يفسر تفاوت وقت أذان الظهر لدينا؛ إذ قد يؤذن أحيانًا عند 11:35 وأحيانًا عند 12:07، بسبب هذا التقدّم أو التأخّر الذي يتبدل عبر السنة.
وكان المسلمون قديمًا يكيّفون حياتهم وفق نظامٍ يتلاءم مع العبادات، مما كان يجعلها أسهل تطبيقًا، وأقل اضطرابًا: ينامون بعد العشاء ويستيقظون قبل الفجر، ويدركون معنى “الثلث الأخير من الليل” الذي تُرجى فيه الإجابة، فيحصل قدرٌ كبير من الانسجام بين الحياة وتعاليم الدين.
هذه التغيرات التي حدثت في عصر الخديوي إسماعيل كانت لحظة فارقة في تاريخنا، إذ اختفت معالم التوقيت القديم الذي كان يساعد في فهم النصوص الشرعية ومسايرة الحضارة الإسلامية.
ورغم تبدّل أنماط الزمن في حياتنا، فإن رمضان يعيد إلى المسلم شيئًا من هذا المعنى؛ فتظهر آثارُه في النوم واليقظة، والعمل والراحة. ورمضان لا “يقلب” الأمور، بل يعيدها—لمن أحسن الفهم—إلى قدرٍ من الانضباط.
لذا فإن أول ما يُستعد به لرمضان: محاولة التكيف مع نظامه قبل قدومه، وهذا يعين عليه الصيام في شعبان، مع السحور، والتدرج في تنظيم النوم والعبادة؛ لأن الجهاز العصبي لا ينتقل انتقالًا فجائيًا إلى نمط جديد، بل يحتاج إلى تدريبٍ تدريجي.
ومن هنا، فإن اتباع هدي النبي ﷺ بالإكثار من الصيام في شعبان يهيئ المسلم لصيام رمضان فلا يشعر بمشقته، لاسيما أن شعبان يسبق رمضان مباشرةً فيقاربُه في أحواله، فيكون الصوم فيه تدريبًا عمليًّا على استقبال الشهر العظيم.

