قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أحمد رمضان صوفي يكتب: المرأة وصناعة الإنسان الركيزة الأولى لبناء الوطن وحارسة الأمن القومي

د. أحمد رمضان صوفي
د. أحمد رمضان صوفي

في اليوم العالمي للمرأة تقف الكلمات بخشوع أمام عظمة الدور الذي قامت به المرأة عبر التاريخ، فهي ليست مجرد نصف المجتمع كما يقال، بل هي النبض الذي يمنح المجتمع حياته، والجذور التي يستمد منها الإنسان ثباته وقدرته على النمو. فالمرأة هي الأم التي تهب الحياة، والأخت التي تمنح السند، والزوجة التي تبني الاستقرار، والابنة التي تبعث الأمل في الغد. ومن خلال هذه الأدوار المتعددة تشكل المرأة مدرسةً إنسانية متكاملة تصنع الإنسان قبل أن يصنع هو الحضارة.

لقد أدركت الحضارات منذ فجر التاريخ أن بناء الإنسان يبدأ من حضن امرأة. فالأم ليست مجرد مُربية، بل هي المهندسة الأولى للشخصية الإنسانية؛ تزرع القيم، وتغرس الانتماء، وتشكل الضمير. وبين يديها تتكون البذرة الأولى للمواطن الصالح الذي يحمي وطنه ويصون مجتمعه. ولهذا قيل إن الأمم التي تُحسن تربية أمهاتها، إنما تؤسس لمستقبلها بوعيٍ وبصيرة.

وفي حياة الفرد اليومية، تظهر المرأة في صورة الأخت التي تمثل الرفيق الأول في رحلة الحياة، تشاركه أحلامه وتدعمه في أوقاته الصعبة. ثم تأتي الزوجة، شريكة الطريق وصانعة الاستقرار الأسري، فهي التي تحول البيت إلى وطنٍ صغير تسكنه الرحمة والسكينة. ومن هذا الوطن الصغير يتشكل الوطن الكبير، فكل أسرة مستقرة هي لبنة في بناء المجتمع القوي المتماسك.

وعندما ننتقل إلى ميادين العلم والعمل والإبداع، نجد أن المرأة لم تقف عند حدود الأسرة، بل امتدت بصمتها إلى مجالات العلوم والطب والهندسة والتعليم والسياسة والفنون. لقد أثبتت المرأة عبر العصور أن العقل الإنساني لا يعرف تمييزًا بين رجل وامرأة، وأن القدرة على الابتكار والعطاء إنما هي ثمرة الإرادة والشغف.

أما المرأة المصرية فلها في صفحات التاريخ مكانة استثنائية. فمنذ الحضارة المصرية القديمة كانت المرأة شريكة في الحكم والعلم والدين، وظهرت ملكات وقائدات تركن بصمة لا تمحى في مسيرة الإنسانية. ولم تكن هذه المكانة مجرد امتياز اجتماعي، بل كانت انعكاسًا لإيمان عميق بدور المرأة في استمرار الحضارة وحماية المجتمع.

وفي العصر الحديث، لعبت المرأة المصرية دورًا محوريًا في بناء الإنسان المصري. فهي المعلمة التي تُنشئ الأجيال، والطبيبة التي تحفظ الحياة، والباحثة التي تطور المعرفة، والجندية التي تدعم مؤسسات الدولة من مواقع مختلفة. ومن خلال دورها في التربية والتعليم، تزرع المرأة المصرية في نفوس أبنائها قيم الانتماء والوعي والمسؤولية، وهي القيم التي تشكل أساس الأمن القومي الحقيقي.

فالأمن القومي لا يتحقق بالسلاح وحده، بل يتحقق قبل ذلك بإنسان واعٍ مؤمن بوطنه. وهذا الإنسان تبدأ رحلته في حضن أمه، حيث يتعلم معنى الوطن والكرامة والواجب. لذلك يمكن القول إن المرأة المصرية هي الحارس الأول للأمن القومي، لأنها تصنع المواطن الذي يدافع عن أرضه ويحمي مجتمعه ويعمل من أجل تقدمه.

وفي كل بيتٍ مصري حكاية امرأة صنعت فرقًا؛ أم صابرة صنعت طبيبًا أو مهندسًا أو جنديًا، وزوجةٌ شاركت زوجها رحلة الكفاح، وأختٌ وقفت سندًا في الأوقات الصعبة.

هذه القصص الصغيرة هي التي تصنع التاريخ الكبير، وهي التي تجعل من المجتمع المصري مجتمعًا قادرًا على الصمود والتجدد.

ولا يكتمل الحديث عن المرأة دون التوقف عند الأم، الرمز الأسمى للعطاء الإنساني. ففي عيد الأم من كل عام تتجدد مشاعر الامتنان لذلك القلب الذي أحب بلا حدود، وتلك اليد التي ربت وصبرت وضحت من أجل أبنائها. فالأم ليست فقط من تمنح الحياة، بل هي التي ترعى البذرة الأولى للإنسان، وتغرس في وجدانه القيم والمعاني التي تشكل شخصيته ومستقبله. ولذلك فإن عيد الأم ليس مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، بل هو لحظة اعتراف بفضلٍ عظيم في صناعة الإنسان وبناء الأوطان، لأن كثيرًا من النجاحات الكبيرة في حياة البشر تبدأ بدعاء أم وتضحياتها الصامتة.

إن الاحتفاء بالمرأة في يومها العالمي ليس مجرد مناسبة رمزية، بل هو اعتراف بفضلٍ متجددٍ عبر العصور. فالمرأة ليست فقط صانعة الأجيال، بل هي أيضًا صانعة الوعي والحضارة والاستقرار.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الخالدة أن كل إنجاز إنساني يقف خلفه قلب امرأة آمنت بالحياة وبالإنسان. ومن هنا فإن تكريم المرأة هو في جوهره تكريم للحياة نفسها، لأنها كانت وما زالت وستظل الضوء الذي يبدأ منه الطريق نحو مستقبلٍ أكثر إنسانيةً وازدهارًا.