في الحروب والأزمات الكبرى، لا يمكن لأي محلل مهما كانت مصادره ورؤيته توقع نتيجة نهائية لما يدور، لأن الحرب أو الأزمة في حالة سيولة، وقد يقوم الطرف الأضعف بعملية نوعية تغيّر مجريات المعركة تمامًا، أو يقوم الطرف الأقوى بضربة ساحقة تنهيها منذ بداياتها.
ولكي لا يكون الكلام نظريًا، يمكن القول بوضوح إنه لا يمكن لأحد أن يزعم معرفة نتيجة حرب إيران الدائرة حاليًا والتي اندلعت في 28 فبراير الماضي، لأن الأزمة في حالة سيولة والمفاجآت واردة تمامًا.
ولكن يمكن التوقف أمام بعض المشاهد والأسئلة التي تفيد العامة والمتابعين:
المشاهد المؤثرة:-
-حرب إيران ستكون الحدث الأكبر عسكريًا وسياسيًا خلال العشر سنوات القادمة، فهي ليست حربًا بين قوة إقليمية كبيرة فقط، وإن كانت بمقاييس العالم الثالث، بل تخوضها أمريكا مباشرة، وهي القوة الأعظم في العالم، بغرض إحداث تغيير جوهري في بنية الشرق الأوسط أو خارطته، وفق تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
-الحرب منذ اندلاعها بدأت كبيرة ولم تبق داخل حدود إيران كما كان متصورًا، بل لامست شظاياها وصواريخها كل دول الخليج. وحتى اللحظة تقوم إيران بقصف الرياض والإمارات والبحرين والكويت وقطر وعُمان، وعشرات من الصواريخ والمسيرات طالت أيضًا الأردن.
-حتى الآن، لم يظهر للعلن سوى ثلاث قوى: أمريكا وإسرائيل وإيران، ولم يعرف أحد بعد موقف باقي القوى الكبرى. إذا طال أمد الحرب، وتحديدًا روسيا والصين، حليفتا إيران، هل يواصلان الصمت أم يحوّلان إيران إلى أفغانستان جديدة لأمريكا، خصوصًا إذا اتخذ ترامب قرارًا بالتدخل البري؟
-إيران، الجمهورية الإسلامية التي تحمل فوق كتفيها نحو أربعة عقود من الثورة الإسلامية في 1979، لم تتغير ولم تطوّر نهجها، بل ظهرت عدائية من البداية للنهاية. الثورة تتبنت المد الثوري والهلال الشيعي لتطويق دول المنطقة والوصول من الخليج إلى المتوسط، وهو ما تحقق بالفعل قبل سقوط نظام بشار الأسد واغتيال حسن نصر الله، حيث استطاعت طهران من خلالهما تعزيز دائرة الهلال الشيعي والوصول إلى المتوسط.
وهذه نقطة خلافية كبيرة، سواء للمتعاطفين مع إيران أو المختلفين معها جذريًا، فإننا لم ننتهِ من الاستعمار البريطاني والفرنسي، لكي نستقبل بدلاً منه احتلالًا فارسيًا، كما أن تجاوز إيران والسيطرة على العواصم العربية أثبت خطأه تمامًا، وكان لهذه السيطرة دور كبير في إشعال المنطقة وجرّ الدول للفوضى والتمزق، وسوريا واليمن ولبنان والعراق نماذج بائسة للسيطرة الإيرانية.
الأسئلة الكبرى:-
-هل تؤدي حرب إيران لتغيير حقيقي وحاد في خارطة الشرق الأوسط، وهل تكون بداية لسايكس بيكو جديدة؟ الإجابة متروكة لتطوراتها.
-هل تدفع حرب إيران المنطقة إلى انفجار اقتصادي، وترفع أسعار النفط للسماء، ومعها باقي مكونات الاقتصاد، وتؤدي لفقدان مئات الآلاف من الوظائف في الخليج، وتدفع التضخم ليكون وحشًا هائجًا في العديد من الدول العربية؟ الإجابة متروكة لتطوراتها.
-هل ستخرج إيران من هذه الحرب دولة موحدة وقوية كما كانت، أم أنها في طريقها للتفكك والفوضى، وقد تطالها بعض أمراض الربيع العربي التي ظلت دون شفاء سنوات طويلة، وينعدم فيها الاستقرار على نظام جديد أو قيادة جديدة؟ الإجابة أيضًا متروكة لتطورات الحرب.
-هل تعود العلاقة بين إيران وجيرانها في دول الخليج طبيعية كما كانت، أم أنها وبعد انفلات قياداتها وقصف دول الخليج والفنادق والمطارات ودبي والرياض والكويت والبحرين وقطر ومصافي النفط، قد ذهبت إلى غير رجعة، وساءت العلاقة تمامًا بين طهران وجيرانها، وانعدم الأمان ودمرت الثقة بينهما، وقد يظل ذلك لعقود، وفق تصريحات أخيرة لمسؤول إماراتي بارز؟
-من الرابح ومن الخاسر في حرب إيران من الدول العربية؟ الحقيقة أن الجميع خاسرون، والمستفيد الوحيد إسرائيل وأمريكا، فحتى لو استمرت الحرب شهرين أو ثلاثة، فإنهما سيخرجان وقد حققا أهدافهما في الإطاحة بقوة إقليمية كبيرة، وفي الغالب، لو انهزمت إيران، فإن النظام القادم فيها سيكون أمريكيًا إسرائيليًا بامتياز.
.. وعليه هذه حرب كبيرة، وتداعياتها الحقيقية ونتيجتها النهائية لا تزال في علم الغيب، ورهن التطورات.. لننتظر.
إبراهيم شعبان يكتب: أسئلة ومشاهد تحت ظلال حرب إيران