دشّن قداسة البابا لاون الرابع عشر، رحلته الرسولية الثالثة بانطلاقة رمزية من مطار فيوميتشينو بالعاصمة روما صباح 13 إبريل 2026، متجهًا إلى الجزائر،في زيارة وُصفت بالأطول والأكثر تعقيدًا منذ اعتلائه السدة البطرسية، في مستهل جولة إفريقية تمتد، حتى 23 إبريل 2026، وتشمل أيضًا الكاميرون، وأنجولا، وغينيا الأستوائية، حاملًا رسالة إنجيلية عنوانها السلام والحوار إلى قلب ما وصفه بقارة الرجاء.
استقبال رسمي وبداية تاريخية
حطت الطائرة البابوية في مطار هواري بومدين حيث كان في استقبال الأب الأقدس فخامة الرئيس عبد المجيد تبون، إلى جانب القاصد الرسولي، وسط مراسم رسمية عكست أهمية الحدث، لاسيما وأنها الزيارة الأولى لحبر أعظم إلى الجزائر في التاريخ الحديث.
مقام الشهيد.. رسالة من الذاكرة إلى المستقبل
استهل قداسة البابا زيارته بوقفة مؤثرة في مقام الشهيد، حيث حيّا نضال الشعب الجزائري، مؤكدًا أن السلام الحقيقي لا يختزل في غياب الحرب، بل يقوم على العدالة، والكرامة، وشجاعة الغفران، مشيدًا بروح التضامن المتجذرة في المجتمع الجزائري، داعيًا إلى استمرار دوره كجسر للحوار في محيط المتوسط.
خطاب جامع الجزائر.. دعوة لعالم أكثر عدالة
في جامع الجزائر الأعظم، قدّم بابا الكنيسة الكاثوليكية خطابًا محوريًا أمام المسؤولين، والدبلوماسيين، أعلن فيه حضوره كحاج سلام، داعيًا إلى الاعتراف بأن البشرية عائلة واحدة، منددًا بتفاقم اللامساواة عالميًا، كما حثّ قداسته على تمكين الشباب، وتعزيز المجتمع المدني، مؤكدًا استعداد الكنيسة للمساهمة في بناء مستقبل قائم على العدالة.
زيارة المسجد.. لفتة احترام وحوار
في مشهد لافت، دخل عظيم الأحبار الجامع حافي القدمين، في إشارة عميقة لاحترام قدسية المكان، حيث التقى الشيخ محمد مأمون القاسمي، في لقاء ركّز على قيم السلام، والمغفرة، مؤكدًا أن البحث عن الله يقود إلى احترام كرامة الإنسان.
تكريم الشهداء.. ذاكرة الألم ورسالة الشهادة
زار الأب الأقدس مركز الراهبات الأوغسطينيات، بباب الوادي، حيث استذكر راهبات قُتلن خلال الحرب الأهلية عام 1994، معتبرًا شهادتهن تجسيدًا حيًا لمعنى التضحية، مشددًا أن الحضور المسيحي في الجزائر يحمل رسالة احترام الكرامة الإنسانية، والعيش المشترك.
لقاء الجماعة الكاثوليكية.. ثلاثية الحياة المسيحية
في بازيليك سيدة إفريقيا، وجّه عظيم الأحبار خطابًا عميقًا للمؤمنين، مركزًا على ثلاثة محاور: الصلاة كتنفّس روحي، والمحبة كخدمة متبادلة، والوحدة كجسر نحو السلام، مستحضرًا إرث القديس أوغسطينوس، ووالدته القديسة مونيكا.
عنابة.. جذور أوغسطينية ورسالة سلام
في مدينة عنابة (هيبون القديمة)، زار بابا الكنيسة الكاثوليكية المواقع المرتبطة بالقديس أوغسطينوس، حيث وضع إكليلًا من الزهور، وغرس شجرة زيتون كرمز للسلام، وسط عرض موسيقي شبابي متعدد اللغات يعكس روح التعايش.
دار المسنين.. إنسانية تتجسد
في دار "Ma Maison"، أثنى الأب الأقدس على خدمة أخوات الفقراء الصغيرات، مؤكدًا أن رعاية كبار السن تمثل بصيص أمل في عالم ممزق، وأن المحبة اليومية هي التعبير الحقيقي عن حضور الله.
واختتم الحبر الأعظم زيارته بقداس ببازيليك القديس أوغسطينوس، حيث شدد على أن التجديد الحقيقي يبدأ من القلب عبر الولادة من علُ، مؤكدًا أن الرجاء المسيحي قادر على تحويل الألم إلى حياة، داعيًا الكنيسة إلى إصلاح داخلي قائم على الوحدة، والشهادة.
رسائل عالمية.. السلام فوق السياسة
وخلال الرحلة، رفض قداسة البابا لاون الرابع عشر، الانخراط في السجالات السياسية، مؤكدًا أن رسالته إنجيلية بحتة، مجددًا دعوته لوقف الحروب، وتعزيز الحوار، رافعًا صوته من أجل الأبرياء في مناطق النزاع.
لم تكن زيارة الجزائر مجرد محطة دبلوماسية، بل شكلت حدثًا تاريخيًا أعاد التأكيد على أن الحوار بين الأديان، والذاكرة المشتركة، والالتزام بالعدالة، تمثل مفاتيح أساسية لبناء مستقبل أكثر سلامًا.
ومن "مقام الشهيد" إلى "هيبون"، ومن المسجد إلى الكنيسة، رسم بابا الكنيسة الكاثوليكية ملامح رسالة عالمية قوامها: الإنسان أولًا، والسلام طريقًا، والإيمان قوة للتغيير.

















