قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أميرة سيد يونس تكتب: النسيان البشري والحفظ الإلهي

أميرة سيد يونس
أميرة سيد يونس


تستيقظ منصات التواصل الاجتماعي بين الحين والآخر على فاجعة تهز القلوب، وتُشعل في النفوس درساً قاسياً ومؤلماً، لكنها سرعان ما تتحول في كثير من الأحيان إلى ساحات للمحاكمة، ومنصات لجلد الضحايا قبل دفن موتاهم. ولعل الفاجعة الأخيرة التي دارت حول أب فجع بوفاة طفله إثر نسيانه داخل مركبة مغلقة في قيظ الصيف، تمثل نموذجًا صارخًا لمدى التسرع البشري في إطلاق الأحكام، والجهل بطبيعة النفس الإنسانية التي جُبلت على النقص والضعف.
إن النسيان ليس خيارًا يعتنقه المرء، ولا هو تعبير عن تبلد المشاعر أو ضياع الأمانة، بل هو جزء أصيل من طبيعة التكوين الإنساني؛ حتى قيل في الأثر إنما سُمي الإنسان إنسانًا لأنه عهد فنسي. وفي المنظور العلمي والنفسي، ثمة اضطراب مؤقت في الذاكرة المستقبلية نتيجة الإجهاد الشديد أو التغير المفاجئ في الروتين اليومي، مع الإشارة إلى أن ما يُسمى إعلاميًا «متلازمة الطفل المنسي» ليس تشخيصًا نفسيًا مستقلاً، وإنما هو نمط من أخطاء الذاكرة المرتبطة بالإجهاد وتغير العادات اليومية، حيث يعيش العقل وهمًا كاملًا بأن الأمر قد أُنجز.
هذا الضعف البشري ليس مبررًا للتفريط، ولا يعني الاعتراف بهذه الطبيعة البشرية إسقاط المسؤولية عن اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وإنما يفسر وقوع الخطأ غير المقصود رغم وجود المحبة والحرص؛ وهو تذكير قاصم بأننا لا نملك من أمر أنفسنا نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله؛ قال تعالى:
«وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» [طه: 115].
إذا كان أبونا آدم عليه السلام—وهو في جنة الخلد بغير مشتتات الأرض ولا هموم الرزق—قد نسي، فكيف بعبادٍ مطحونين بين مطارق السعي والتزامات الحياة؟ إن الشريعة الإسلامية الغراء، بعمقها ورحمتها، قد استوعبت هذا النقص البشري ورفعت عنه الإثم، فجاء في الحديث الشريف الذي يرويه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنَّ اللهَ وضَع عن أُمَّتي الخطَأَ والنسيانَ ومَا اسْتُكْرِهُوا عليه" (حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي). ورفع الإثم الشرعي لا يمنع ما قد يترتب على بعض الوقائع من آثار نظامية أو حقوق تتعلق بها، بحسب ما تقرره الجهات المختصة.
وهنا يبرز وجه الحقيقة الأصيل الذي يغيب عن مادية العصر: إن التدابير البشرية، على وجوبها وأهميتها، ليست هي الحارس المطلق لأرواح أبنائنا. نحن نغلق الأبواب، ونحكم الرقابة، ونأخذ بالأسباب امتثالًا للأمر الإلهي، فالأخذ بالأسباب واجب شرعي، لكن الأسباب لا تستقل وحدها بتحقيق النتائج، بل إننا في نهاية المطاف نوقن بأن النجاة والحفظ يدوران في فلك مشيئة الله ورعايته وحده؛ فكم من حريصٍ مفرطٍ في حذره فُجع في حِمَاه.
وفي ظلال الأيام المباركة لشهر الله المحرم، ونحن نستحضر ذكرى يوم "عاشوراء" العظيم، تتجلى لنا قصة أم موسى عليه السلام كأعظم برهان على محدودية التدابير البشرية أمام نفاذ قدر الله ورعايته. حين خافت الأم على وليدها الرضيع من بطش فرعون وجنوده، لم يأمرها الله ببناء حصن، ولا باختباء في مغارة، بل أمرها بما يراه المنطق البشري هلاكًا محققًا ومجازفة عارية:
«فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» [القصص: 7].
بالمنطق البشري المجرد، البحر هو الغرق المحتوم لرضيع لا حول له ولا قوة. لكن لأن الحفظ حفظ الله، ولأن الرعاية رعاية الله، تحول الموج المتلاطم إلى مهدٍ آمن، وغدا قصر العدو اللدود حصنًا يتربى فيه الغلام. إنها رسالة بالغة الأثر لكل أب وأم: أولادنا في رعاية الله نودعهم، وبحفظه نأمن عليهم، ولا حول لنا في حمايتهم إلا به.
إن المشي وراء الشائعات على منصات التواصل الاجتماعي، والمزايدة على مشاعر أب مكلوم، يعبران عن قسوة اجتماعية لا تقرها شريعة ولا مروءة. إن هذا الأب المفجوع لا يحتاج إلى سياط اتهاماتنا، فهو يتقلب في جحيم من تأنيب الضمير ليدفع ضريبة بشريته وضعفه من دمه وروحه. والواجب الشرعي والإنساني يفرض علينا، حين نرى مبتلى، أن نلجم ألسنتنا عن الخوض في عرضه، وأن نتأمل في عافية الله لنا بكثير من الانكسار والوجل. وقد جاء في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ" (رواه الترمذي)، علماً بأن هذا الذكر والمأثور النبوي يقوله المرء سراً بينه وبين نفسه استشعاراً للنعمة، ولا يجهر به أمام الشخص المصاب مراعاةً لمشاعره وانكسار قلبه.
بدلاً من أن نتحول إلى قضاة وجلادين، فلندعُ للمصاب بالثبات والصبر وسكينة القلوب، ولنسأل الله العافية التامة، مستحضرين دائماً أن الابتلاء لا يقيس صلاح العبد أو فساده، بل هو قدر يجري بمقادير لا يعلم حكمتها إلا علام الغيوب.
ونختم هذا المقام بأبيات بليغة تنضح بالرضا، وتذكرنا بأن الحفظ بيد الله وحده، وبأن التدبير البشري يسقط حين يشاء رب العالمين:
وَإِذَا الْعِنَايَةُ لَاحَظَتْكَ عُيُونُهَا ... نَمْ فَالْمَخَاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمَانُ
وَاسْتَسْلِمَنَّ لِما قَضَاهُ اللهُ فِي ... كُلِّ الشُّؤُونِ فَمَا لَنَا خِذْلَانُ
فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا لِعِبَادِهِ ... وَبِفَضْلِهِ يَتَبَدَّدُ الأَحْزَان