هناك خطأ شائع في قراءة المشهد الدولي الراهن، وهو أن ننظر إلى كل أزمة باعتبارها حادثًا منفصلًا عن غيره، فنرى ما يحدث بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره أزمة نووية، وما يجري في غزة باعتباره حربًا فلسطينية إسرائيلية، وما يحدث في أوكرانيا باعتباره نزاعًا روسيًا أوكرانيًا، وما يجري في شرق آسيا باعتباره خلافًا أمريكيًا مع كوريا الشمالية، ثم ننتقل من خبر إلى آخر وكأن العالم مجرد مجموعة من الحرائق المتفرقة التي اشتعلت في أماكن مختلفة.
لكن الحقيقة التي تبدو أكثر وضوحًا كل يوم أن هذه الحرائق، مهما اختلفت أسبابها وأطرافها، بدأت تكشف عن حريق سياسي أكبر بكثير، عنوانه الحقيقي هو إعادة توزيع القوة والنفوذ، وإعادة تعريف القواعد التي حكمت العالم منذ انتهاء الحرب الباردة. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: ماذا سيحدث في غزة؟ أو هل ستتفق واشنطن وطهران؟ أو متى تنتهي الحرب في أوكرانيا؟ وإنما السؤال الأكثر عمقًا: أي عالم سيولد عندما تنتهي هذه الأزمات، ومن الذي سيكتب قواعده، ومن الذي سيدفع ثمن الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد؟
ربما لهذا السبب تحديدًا تبدو الأسابيع الأخيرة شديدة التوتر، رغم أن الدبلوماسية لم تتوقف لحظة. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه لغة التهديد بين واشنطن وطهران، وتلوح إيران بإمكانية اتخاذ موقف أكثر هجومية في مضيق هرمز إذا فشلت المفاوضات، تتحرك الإدارة الأمريكية في الاتجاه الآخر تمامًا داخل ملف غزة، فتفتح قنوات اتصال مباشرة مع حركة حماس عبر القاهرة، وتدفع باتجاه صيغة سياسية لإنهاء الحرب، ثم تنتقل إلى إسرائيل لمحاولة إقناع حكومة بنيامين نتنياهو بالانخراط في هذه الصيغة. وعلى الجبهة الأوروبية، تستمر الحرب الروسية الأوكرانية في استنزاف الطرفين، بينما تحاول واشنطن البحث عن مخرج سياسي، وتراقب العواصم الأوروبية بقلق أي احتمال لتسوية تُصاغ فوق رؤوسها، وفي آسيا تعيد الولايات المتحدة ترتيب حساباتها مع كوريا الشمالية، بينما تراقب الصين كل هذه التحركات من موقع القوة الصاعدة التي تعرف أن انشغال واشنطن في أكثر من جبهة يمنحها مساحة أكبر لإعادة بناء نفوذها.
ولأن السياسة لا تُقرأ بالتصريحات وحدها، فإن أكثر ما يلفت النظر في هذا المشهد هو التناقض الظاهري في السلوك الأمريكي. فواشنطن تضغط على إيران وتلوّح بالقوة، لكنها في الوقت نفسه تفاوضها. وتدعم إسرائيل، لكنها تضغط عليها للقبول بخطة لإنهاء الحرب. وتساند أوكرانيا، لكنها تبحث عن تسوية للحرب. وتحافظ على الردع في آسيا، لكنها تخفف بعض مظاهر التصعيد وتبقي الباب مفتوحًا أمام التواصل مع بيونغ يانغ. وقد يبدو هذا من الخارج تخبطًا أو تناقضًا، لكنه يمكن أن يُقرأ بطريقة أخرى أكثر واقعية: الولايات المتحدة تحاول أن تنتقل من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة إعادة ترتيب الأزمات، وهي تعرف أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لضمان النتائج التي تريدها، كما تعرف في الوقت نفسه أن التخلي عن القوة سيعني فقدان واحدة من أهم أدوات التفاوض. ولذلك أصبحت واشنطن تستخدم القوة والتهديد بها بوصفهما وسيلة للوصول إلى طاولة التفاوض، وليس بالضرورة بوصفهما طريقًا إلى الحرب.
وهنا بالضبط تتكشف أهمية مضيق هرمز. فالقضية ليست في المضيق وحده، ولا في السفن التي تعبره، ولا حتى في النفط الذي يمر من خلاله، وإنما في الرسالة السياسية التي تحملها قدرة إيران على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. إيران تعرف أنها لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة في القوة العسكرية التقليدية، لكنها تعرف أيضًا أن الجغرافيا تمنحها ورقة لا تستطيع واشنطن تجاهلها. ومضيق هرمز ليس مجرد موقع جغرافي؛ إنه أحد مفاتيح الاقتصاد العالمي، وأي اضطراب كبير في حركة الملاحة عبره يمكن أن يرفع أسعار الطاقة، ويزيد تكاليف النقل والتأمين، ويضغط على الاقتصادات الكبرى، ويعيد إشعال التضخم، ولذلك فإن المعركة حوله تتجاوز حدود الخليج لتصل آثارها إلى آسيا وأوروبا وأمريكا. وعندما تتحدث طهران عن الانتقال إلى موقف هجومي إذا فشلت الدبلوماسية، فإنها تقول بصورة غير مباشرة إنها تمتلك القدرة على جعل أي قرار أمريكي بشأن إيران مكلفًا، بينما تقول واشنطن من جهتها إن حرية الملاحة الدولية ليست ورقة تفاوضية يمكن لطهران أن تستخدمها وقتما تشاء. وهنا تصبح الأزمة اختبارًا للردع أكثر منها خلافًا حول ملف واحد.
لكن المشكلة في اختبارات الردع أن كل طرف يريد أن يثبت أنه لن يتراجع، وكلما ارتفع سقف التصريحات أصبح التراجع أكثر صعوبة، لأن التراجع لا يعود مجرد قرار سياسي، وإنما يتحول إلى قضية كرامة وهيبة أمام الجمهور الداخلي. وقد تبدأ الأزمة بجملة في مؤتمر صحفي، ثم تتحول إلى تحرك عسكري محدود، ثم يأتي الرد، ثم يصبح الرد على الرد ضرورة سياسية، وفجأة يجد الجميع أنفسهم أمام مواجهة لم يكن أحد يريدها بهذه الصورة. وهذا هو الخطر الحقيقي في أزمة هرمز؛ ليس أن الولايات المتحدة تريد الحرب أو أن إيران قررت بالفعل خوضها، وإنما أن الحسابات المتبادلة قد تدفع الطرفين إلى الاقتراب من نقطة يصبح فيها منع الحرب أكثر صعوبة من بدء التصعيد.
ولذلك فإن أي قراءة جادة للمشهد الخليجي يجب أن تضع في الاعتبار أن دول المنطقة نفسها لا تريد أن تتحول إلى ساحات صراع بين واشنطن وطهران. فالسعودية والإمارات وقطر والكويت وعُمان والعراق كلها تدرك أن أي مواجهة واسعة لن تبقى داخل حدود إيران أو المياه المحيطة بها، وإنما ستطال الاقتصاد والطاقة والاستثمار والملاحة والأمن، وستضع المنطقة كلها أمام واقع جديد لا يحتاجه أحد. ومن هنا تكتسب الوساطة العمانية أهميتها، كما تكتسب التحركات المصرية أهميتها في ملف غزة؛ لأن الدول الإقليمية أصبحت تدرك أن دورها لم يعد مجرد استقبال نتائج الصراعات الدولية، وإنما أصبح من الضروري أن تشارك في منعها من الانفجار.
وفي القاهرة تحديدًا تظهر صورة أخرى من صور التحول الجاري. فحين اختارت واشنطن أن تتحرك من خلال العاصمة المصرية لفتح قناة مع حماس، لم تكن تستخدم مصر فقط كوسيط تقني لنقل الرسائل، وإنما كانت تعترف بحقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: أي ترتيب مستقر في غزة يحتاج إلى طرف إقليمي يستطيع التعامل مع الجغرافيا والأمن والسياسة في الوقت نفسه. مصر ليست بعيدة عن غزة، وليست مجرد دولة عربية تنظر إلى الحرب من شاشات الأخبار؛ إنها الدولة التي ترتبط بالقطاع بحدود مباشرة، والتي تحمل منذ سنوات خبرة واسعة في إدارة الاتصالات بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، والتي تدرك أن استمرار الحرب لا يمثل فقط مأساة إنسانية وإنما خطرًا مباشرًا على أمنها القومي واستقرار المنطقة كلها. ومن هنا فإن الدور المصري في المرحلة المقبلة قد يكون أكبر من مجرد الوساطة؛ فقد تصبح القاهرة إحدى الجهات التي تشارك في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب نفسها، خصوصًا أن الحديث لم يعد عن وقف إطلاق النار وحده، وإنما عن إدارة غزة وإعادة إعمارها وضمان أمنها وترتيب العلاقة بين القوى الفلسطينية وإسرائيل والمجتمع الدولي.
لكن هنا تحديدًا تبدأ الصعوبة الحقيقية. فالحرب قد تتوقف بقرار، لكن السلام لا يبدأ إلا عندما يطمئن كل طرف إلى أن توقفه عن القتال لن يتحول إلى نقطة ضعف قاتلة. وهذا ما يجعل العقدة بين إسرائيل وحماس أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف على نصوص اتفاق. إسرائيل تريد أن تضمن أن أي انسحاب أو وقف للعمليات لن يسمح بإعادة بناء القدرات العسكرية لحماس، وحماس من جهتها تريد ضمانًا بأن وقف القتال والانسحاب لن يكونا مجرد مرحلة مؤقتة تتيح لإسرائيل إعادة ترتيب قواتها ثم العودة إلى الحرب. كل طرف يريد من الآخر أن يقدم التنازل أولًا، وكل طرف يخشى أن يؤدي تقديمه إلى فقدان ورقة القوة التي يحتاج إليها في المفاوضات التالية. ولذلك فإن المشكلة ليست في غياب الرغبة في إنهاء الحرب بقدر ما هي في غياب الثقة في الطرف الآخر، وهي مشكلة لا يمكن حلها ببيان سياسي أو صورة جماعية أمام الكاميرات.
وهنا تصبح السياسة الداخلية الإسرائيلية عاملًا لا يقل أهمية عن السياسة الخارجية. فبنيامين نتنياهو لا يدخل أي تفاوض وهو ينظر فقط إلى خريطة غزة أو إلى طلبات واشنطن، وإنما يدخلها وهو ينظر أيضًا إلى حزبه ومستقبله السياسي والانتخابات القادمة. الانتخابات التمهيدية داخل الليكود في هذه المرحلة ليست تفصيلًا تنظيميًا، لأنها تكشف عن صراع على هوية الحزب واتجاهه، وعن حجم الضغوط التي يمكن أن يتعرض لها نتنياهو إذا اضطر إلى تقديم تنازلات في ملف غزة لا تحظى بقبول التيار اليميني داخل حزبه. وهذا يعني أن رئيس الوزراء الإسرائيلي قد يجد نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة: استمرار الحرب يحمل تكاليفه، وإنهاؤها يحمل تكاليفه، والقبول بخطة أمريكية قد يفتح أمامه مواجهة مع اليمين، ورفضها قد يفتح أمامه مواجهة مع واشنطن ومع جزء من المجتمع الإسرائيلي الذي يريد نهاية للحرب. وهكذا تصبح غزة جزءًا من المعركة الانتخابية، كما تصبح الانتخابات جزءًا من معركة غزة.