ليس مجرد تجمع اقتصادي عابر، ولا تحالف للدول الصاعدة بحثا عن مساحة أكبر في الاقتصاد العالمي، إنه مشروع لإعادة رسم خريطة القوة الاقتصادية، وفتح الطريق أمام نظام دولي جديد تتراجع فيه هيمنة القطب الواحد، إنه تجمع بريكس.
عشر دول، تمثل كتلة بشرية واقتصادية هائلة، وتستحوذ على نحو ثلث الاقتصاد العالمي أو أكثر، تجمعها غاية واحدة، تحقيق التنمية لشعوبها، وهدف استراتيجي مشترك وبناء بدائل لنظام اقتصادي عالمي ظلت مفاتيحه لعقود في قبضة الدولار والقوى الغربية.
من قلب نيويورك، عاصمة القرار السياسي والاقتصادي العالمي، بدأت قصة هذا التكتل، ففي عام 2006، وعلى هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، اتفقت البرازيل وروسيا والهند والصين على تدشين إطار اقتصادي جديد، يحمل طموحا يتجاوز حدود التعاون التقليدي، ويفتح الباب أمام إعادة توزيع موازين القوة في الاقتصاد العالمي.
وبانضمام جنوب إفريقيا لاحقا، اكتمل التكوين الأول للتكتل، الذي حمل اسم بريكس، ليصبح تجمعا لخمس قوى اقتصادية صاعدة، سرعان ما تحول من فكرة اقتصادية إلى لاعب مؤثر في المشهد الدولي.
لكن الطموح لم يتوقف عند حدود الأعضاء المؤسسين، ففي خطوة عكست تصاعد جاذبية التكتل، فتح بريكس أبوابه أمام أعضاء جدد، لتبدأ مرحلة جديدة من التوسع، مع سعي دول عديدة إلى الانضمام إلى هذا الكيان الاقتصادي الصاعد، مدفوعة بحجم اقتصادات أعضائه، ومعدلات النمو، والفرص التي يتيحها أمام التجارة والاستثمار والتمويل.
وهنا حضرت مصر، بثقلها الجغرافي والجيوسياسي، وموقعها الذي يجعلها نقطة ارتكاز بين القارات وممرا رئيسيا لحركة التجارة العالمية.
فانضمام القاهرة إلى بريكس لم يكن مجرد إضافة عضو جديد إلى قائمة التكتل، بل جاء متسقا مع ثقل مصر الإقليمي والدولي، وموقعها الاستراتيجي، ودورها المحوري في محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي.
وتمنح عضوية مصر في بريكس فرصا لتعزيز التعاون التجاري والاقتصادي مع دول التكتل، وفتح مسارات أوسع للتبادل التجاري بالعملات المحلية، ولا سيما مع القوى الاقتصادية الكبرى داخله، مثل روسيا والصين.
كما تستفيد القاهرة من عضويتها في بنك التنمية الجديد التابع للتكتل، بما يتيح فرصا لتمويل مشروعات تنموية وفق آليات وشروط أكثر ملاءمة، إلى جانب تعزيز قدرتها على الوصول إلى أسواق جديدة، وجذب مزيد من الاستثمارات، وتوسيع شبكة الشراكات الاقتصادية الدولية.
والأهم من ذلك، أن وجود مصر داخل بريك يضعها في قلب مسار عالمي يتجه نحو إعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، ومنح الاقتصادات الناشئة والدول النامية مساحة أكبر في صناعة القرار، بدلا من بقاء مفاتيح الاقتصاد العالمي حكرا على مجموعة محدودة من القوى الكبرى.
ومع اتساع عضوية التكتل وتضاعف ثقله الاقتصادي، يتقدم بريكس تدريجيا ليصبح أحد أهم مراكز القوة في الاقتصاد العالمي، وقوة قادرة على إعادة صياغة معادلات التوازن الاقتصادي، ومنافسة التكتلات التقليدية، وفي مقدمتها مجموعة السبع التي لا تزال تستحوذ على حصة ضخمة من الثروة العالمية.
وبينما تراهن الدول الأعضاء على بريكس لفتح أبواب جديدة أمام التجارة والاستثمار والتنمية، فإن العالم ينظر إلى هذا التكتل باعتباره أكثر من مجرد تجمع اقتصادي.
اختبار حقيقي لقدرة العالم على الانتقال من نظام أحادي النفوذ إلى نظام متعدد الأقطاب، ومن اقتصاد تتحكم في مفاتيحه قوى محدودة، إلى خريطة اقتصادية جديدة تتوزع فيها مراكز القوة.