قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أمل منصور تكتب: من قال أني لا أحبُ عيوبهُ؟ ‏من أجلهِ قد تُعشقُ الأخطاءُ!

د. أمل منصور
د. أمل منصور

نحن نخطئ أحيانًا عندما نظن أن الحب الحقيقي يعني أن نرى الآخر كاملًا، بلا عيوب ولا تناقضات ولا لحظات ضعف. وربما يكون العكس هو الأقرب إلى الحقيقة؛ فالحب الناضج لا يجعلنا نرى من نحب بصورة مثالية، لكنه يجعلنا نرى إنسانيته كاملة… بما فيها الأشياء التي لا نحبها بالضرورة.

من قال إن المرأة التي تحب رجلًا لا ترى عصبيته؟ أو عناده؟ أو صمته الطويل؟ أو تلك العادة الصغيرة التي كانت تزعجها في الآخرين، ثم أصبحت منه شيئًا تبتسم له؟ ومن قال إن الرجل الذي يحب امرأة لا يرى حساسيتها الزائدة أحيانًا، أو غيرتها، أو تقلب مزاجها، أو ذلك الاحتياج الذي قد لا يفهمه دائمًا؟

الحب لا يعمي العين عن العيوب، لكنه يغيّر الطريقة التي تراها بها العين.

الرجل حين يحب بصدق، لا يتوقف بالضرورة عن ملاحظة عيوب المرأة، لكنه يبدأ في وضعها داخل سياق أوسع: يعرف لماذا تغضب، وما الذي يجعلها قلقة، وما الذي تخشاه، وما الذي تحتاج أن تسمعه منه. قد يرى غيرتها، لكنه يرى خلفها خوفًا من فقده. وقد يضيق من كثرة أسئلتها، لكنه يعرف في داخله أنها لا تسأل دائمًا رغبة في السيطرة، بل لأنها تريد أن تطمئن إلى مكانتها في قلبه.

وفي الحب الحقيقي، يصبح الرجل أكثر قدرة على التفريق بين العيب الذي يحتاج إلى احتواء، والعيب الذي يحتاج إلى مواجهة، والسلوك الذي يمكن احتماله، والسلوك الذي لا يجوز أن يتحول إلى أذى.

وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن حب العيوب لا يعني أن نحب الأذى.

هناك فرق هائل بين أن أحب ارتباكك، وبين أن أحب إهانتك لي. بين أن أتقبل عصبيتك العابرة، وبين أن أقبل العنف. بين أن أفهم خوفك، وبين أن أسمح لخوفك أن يتحول إلى سيطرة. الحب يستطيع أن يحتضن النقص الإنساني، لكنه لا ينبغي أن يستخدم الحب ذريعة لتطبيع القسوة.

والمرأة حين تحب بصدق، يحدث داخلها شيء شبيه.

قد ترى الرجل الذي كانت تتمنى أن يكون أكثر رومانسية، فتكتشف أنه لا يجيد الكلام، لكنه يجيد الحضور. لا يقول كثيرًا "أحبك"، لكنه يتذكر التفاصيل الصغيرة. لا يعرف كيف يكتب رسالة طويلة، لكنه يعرف متى تحتاجه. قد لا يكون شاعرًا في التعبير، لكنه يكون رجلًا في المواقف.

فتبدأ المرأة في إعادة ترجمة الأشياء.

ذلك الصمت الذي كانت تراه برودًا قد يصبح بالنسبة إليها طريقته في التفكير. ذلك العناد الذي كان يزعجها قد تراه أحيانًا قوة في الشخصية. طريقته الخشنة قليلًا في التعبير قد تفهم أن خلفها رجلًا لم يتعلم كيف يقول كل ما يشعر به.

الحب يجعلنا نقرأ ما وراء السلوك.

وهنا تكمن واحدة من أجمل التحولات النفسية التي يصنعها الحب الحقيقي؛ أن الإنسان لا يعود يرى التصرف منفصلًا عن صاحبه، وإنما يراه من خلال معرفته بقلبه.

لكن ماذا يحدث داخل الإنسان نفسه عندما يحب؟

يحدث أنه يصبح أكثر تسامحًا مع التفاصيل، لأن القلب عندما يشعر بالأمان لا يتعامل مع كل اختلاف باعتباره تهديدًا. الإنسان الذي يحب يشعر أن العلاقة ليست معركة لإثبات من على حق، بل مساحة يريد أن يبقى فيها الاثنان.

لذلك قد تتشاجر المرأة مع الرجل الذي تحبه، ثم تجد نفسها بعد دقائق تفكر: "لكنه ليس سيئًا… أنا أعرف قلبه."

وقد يغضب الرجل من المرأة التي يحبها، ثم يجد نفسه يقول في داخله: "هي أرهقتني، لكنها ليست تقصد أن تؤذيني."

هذه الجملة الصغيرة تكشف شيئًا عميقًا في النفس البشرية: عندما نحب شخصًا بصدق، لا نحاكمه من موقف واحد، وإنما نحاكم الموقف من خلال تاريخ كامل من المشاعر والمواقف.

نحن لا ننسى الخطأ، لكننا لا نسمح له وحده بأن يختصر الإنسان.

وهذا هو الفارق بين الحب الحقيقي والتعلق.

في التعلق، قد نصنع من الآخر صورة مثالية، ثم نسقطها عليه، فإذا ظهر عيبه انهارت الصورة وانهار معها الشعور. أما الحب الأكثر نضجًا، فيبدأ عندما تسقط الصورة المثالية ويظل الإنسان محبوبًا رغم أن حقيقته أصبحت واضحة.

أن تحب شخصًا بعد أن تعرفه… أصعب وأصدق من أن تحبه قبل أن تعرفه.

فالمرأة التي تحب رجلًا تعرف عيوبه، لا تحبه لأنها لم ترها، وإنما لأنها رأت ما هو أكبر منها. والرجل الذي يحب امرأة يعرف نقاط ضعفها، لا يكون بالضرورة رجلًا لا يرى، بل رجلًا يرى الصورة كاملة.

وقد يكون أجمل ما في الحب أن يصبح لكل إنسان عيوبه التي لا تشبه عيوب الآخرين.

هناك عيوب تتحول مع الوقت إلى تفاصيل حميمة في الذاكرة.

طريقته في نطق كلمة معينة. غضبه السريع ثم ندمه. عادته في السؤال عنك بطريقة تبدو عادية لكنها تحمل خوفًا كبيرًا. ضحكتها في اللحظة الخطأ. ارتباكها عندما تحاول أن تخفي غيرتها. طريقته في الاعتذار دون أن يعرف كيف يعتذر. تلك الأشياء الصغيرة التي قد لا يفهمها الآخرون، لكنها تصبح عند من يحب علامات مميزة لصاحبها.

ومن هنا تأتي العبارة: "من أجله قد تُعشق الأخطاء."

ليس لأن الخطأ أصبح جميلًا، وإنما لأن صاحبه أصبح عزيزًا.

فالشيء نفسه قد يبدو مزعجًا إذا صدر من شخص لا يعني لنا شيئًا، لكنه يبدو أكثر احتمالًا عندما يصدر ممن يسكن مكانًا عميقًا في القلب.

ومع ذلك، الحب الحقيقي لا يطلب من المرأة أن تفقد كرامتها، ولا من الرجل أن يتنازل عن نفسه حتى يثبت حبه.

الحب ليس أن تقول: "سأتحمل كل شيء لأنني أحبك."

الحب أن تقول: "سأفهمك، وسأحاول أن أفهم ما وراء خطئك، وسأمنحك فرصة لأنك تعني لي الكثير… لكنني أيضًا أريدك أن تحترم ما يؤلمني."

لأن الحب الذي لا يسمح بالنقد يتحول إلى ضعف، والحب الذي لا يعرف التسامح يتحول إلى حسابات، والحب الذي يطلب الكمال يتحول إلى امتحان لا ينجح فيه أحد.

الرجل والمرأة كلاهما يحتاجان إلى أن يعرفا أن الإنسان الذي نحبه لن يكون دائمًا في أفضل حالاته. سيغضب، ويتعب، ويخطئ، ويصمت، ويتصرف أحيانًا بطريقة لا تشبه الصورة الجميلة التي رسمناها له.

لكن الحب الحقيقي لا يُقاس بعدد المرات التي أعجبنا فيها بالآخر، بل بعدد المرات التي عرفنا فيها عيوبه ولم نستخدمها ضده.

أن تعرف نقطة ضعف من تحب ثم تحميها بدلًا من أن تستغلها… هذا حب.

أن تعرف أكثر الأشياء التي تؤلمه ثم لا تستخدمها كسلاح في الخلاف… هذا حب.

أن تعرف عيوبه ولا تذكّره بها في كل شجار… هذا حب.

أن تختلفا دون أن يتحول الاختلاف إلى محاولة لكسر بعضكما… هذا حب.

وفي النهاية، ربما لا نحب عيوب من نحب كما هي، وإنما نحب الإنسان الذي تختبئ خلف عيوبه.

نحب القلب الذي عرفناه خلف العصبية، والحنان الذي اكتشفناه خلف الصمت، والخوف الذي اختبأ خلف الغيرة، والضعف الذي ظهر خلف القوة، والطفولة الصغيرة التي لا يراها أحد سوانا.

لهذا، قد يصل الإنسان إلى لحظة يقول فيها بصدق:

أنا لا أحب عيوبك لأنها عيوب جميلة…
أنا أحبك أنت، ولذلك أصبحت بعض عيوبك جزءًا من الحكاية التي أحبها.

فالحب الحقيقي لا يجعل الإنسان كاملًا في أعيننا، لكنه يجعله إنسانًا لا نريد أن نستبدله لمجرد أنه ليس كاملًا.

وربما أجمل ما يمكن أن يحدث بين رجل وامرأة أن يجد كل منهما شخصًا يستطيع أن يرى ضعفه دون أن يحتقره، وخطأه دون أن يختصره فيه، وعيوبه دون أن يحوله إلى نسخة أخرى من نفسه.

فالحب ليس أن تجد شخصًا بلا عيوب…

الحب أن تجد شخصًا، رغم عيوبه، تشعر أن قلبك ما زال يقول لك:

هذا هو الشخص الذي أريد أن أكمل معه الحكاية.