تواجه مشاركة الولايات المتحدة في الدورة الحالية من بينالي فينيسيا للفنون أزمة مالية تهدد بقاء مجموعة من المنحوتات الضخمة للفنان الأمريكي ألما ألين في إيطاليا، بعد أن عجزت المؤسسة غير الربحية المسؤولة عن تنظيم الجناح الأمريكي عن جمع نحو مليون دولار إضافي لتغطية تكاليف تفكيك الأعمال الفنية وشحنها مجددا عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة.
وذكرت "صحيفة الفن" The Art Newspaper البريطانية، في تقرير لها، أن مؤسسة المحافظة على الفنون الأمريكية (American Arts Conservancy)، المسؤولة عن تنظيم المشاركة الأمريكية هذا العام، لم تتمكن حتى الآن من توفير التمويل الكامل اللازم للمشروع، على الرغم من اقتراب اختتام فعاليات البينالي، المقرر أن تنتهي في 22 نوفمبر الحالي.
وأوضحت الصحيفة أن جيني باريدو مديرة المؤسسة، وجهت نداء عاجلا إلى المانحين، حذرت فيه من أن عدم توفير التمويل المطلوب قد يحول دون إعادة الأعمال الفنية إلى الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن المؤسسة جمعت نحو 1.4 مليون دولار فقط من إجمالي 2.5 مليون دولار تمثل التكلفة الكاملة للجناح الأمريكي، ما يترك فجوة تمويلية تقدر بنحو 1.1 مليون دولار.
وتشمل هذه التكلفة مراحل إعداد المعرض وتنفيذه، إلى جانب تفكيك المنحوتات بعد انتهاء العرض وتأمين نقلها وإعادتها إلى الولايات المتحدة، وهي عملية تتطلب ترتيبات لوجستية خاصة بالنظر إلى ضخامة بعض الأعمال ووزنها، إذ يقترب وزن بعضها من طن واحد، الأمر الذي يجعل نقلها وتخزينها في مدينة مثل فينيسيا تحديا إضافيا.
وتأتي الأزمة على الرغم من أن ميزانية الجناح الأمريكي في الدورة الحالية أقل بكثير من ميزانيات الدورات السابقة، إذ بلغت تكلفة المشاركة الأمريكية في بينالي 2024 نحو 5 ملايين دولار، بينما وصلت في دورة 2022 إلى 7 ملايين دولار، في حين حددت الميزانية الحالية عند 2.5 مليون دولار، وفقا للتقرير.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قدمت منحة قدرها 375 ألف دولار للمشاركة، وهي المساهمة الحكومية المعتادة للجناح، بينما ترك تدبير المبلغ المتبقي للمؤسسة غير الربحية ومديرتها، التي اعتمدت في جمع التبرعات على فعاليات خاصة استقطبت عددا من المانحين والشخصيات البارزة، من بينهم مصمم الأزياء الأمريكي تومي هيلفيجر وجامع الأعمال الفنية جون فيلان، وزير البحرية الأمريكية السابق.
وأثار الاعتماد على التبرعات الخاصة تساؤلات بشأن آليات التخطيط المالي والإشراف على المشاركة، خاصة أن المؤسسة المسؤولة عن المشروع اضطلعت بمهمة جمع الجزء الأكبر من الميزانية، دون أن تنجح في تأمين كامل المبلغ قبل الوصول إلى مرحلة إعادة الأعمال الفنية.
ونقلت الصحيفة عن كاتي سيجل، مؤرخة الفن التي شاركت في الإشراف على الجناح الأمريكي في بينالي 2017، قولها إن عمليات إعداد الميزانيات في مثل هذه المشروعات عادة ما تخضع لتخطيط دقيق، متسائلة عن مدى وجود رقابة كافية على الإنفاق في المشروع الحالي. كما لفتت إلى صعوبة العثور على أماكن مناسبة لتخزين منحوتات ألين داخل فينيسيا، في حال تعذر شحنها إلى الولايات المتحدة في الموعد المحدد.
من جانبه.. قال الفنان ألما ألين، المقيم في المكسيك، إنه لم يكن على علم بالمشكلات المالية التي تواجه المؤسسة المنظمة للجناح، موضحا أنه لم يتلق من المشروع سوى تعويض عن نفقات السفر والإقامة في شقة استأجرها خلال فترة وجوده في المدينة، ولم يكن طرفا في ترتيبات جمع التمويل أو إدارة الميزانية.
ويقدم ألين في الجناح الأمريكي معرضا بعنوان "نادني النسيم" (Call Me the Breeze)، يضم مجموعة من المنحوتات التي تجمع بين أعمال أنجزها على مدار نحو عقدين وأعمال أحدث أعدها خصيصا للمشاركة في البينالي. وتتميز تجربته الفنية باستخدام مواد مثل الخشب والحجر والبرونز، مع أشكال عضوية تستلهم الطبيعة والتكوينات الجيولوجية، وتمنح المشاهد مساحة لتفسيرها بعيدا عن العناوين أو الدلالات المباشرة.
وكان اختيار ألين لتمثيل الولايات المتحدة قد جاء بعد تعثر مشروع سابق كان مقررا تقديمه للفنان روبرت لازاريني، قبل أن تتولى مؤسسة المحافظة على الفنون الأمريكية مسؤولية تنفيذ المشاركة الجديدة بالتعاون مع أمين المعرض جيفري أوسليب. وقد أثار هذا التغيير نقاشا في الأوساط الفنية الأمريكية بشأن آلية اختيار الفنانين المشاركين في البينالي، ومدى الالتزام بإجراءات الاختيار المفتوحة ومراجعة المقترحات من جانب لجان متخصصة.
وتسلط الأزمة الحالية الضوء على التحديات التي قد تواجه تنظيم المشاركات الوطنية في الفعاليات الفنية الدولية الكبرى، إذ لا تقتصر متطلبات إقامة المعارض على اختيار الفنانين وإعداد الأعمال وتركيبها، بل تشمل أيضا توفير الموارد اللازمة لتفكيكها ونقلها وتخزينها بعد انتهاء العرض، وهي التكاليف التي قد لا تحظى بالاهتمام نفسه خلال مرحلة التخطيط الأولية.
ويعد بينالي فينيسيا للفنون، الذي تأسس عام 1895، من أبرز الفعاليات الدولية المتخصصة في الفن المعاصر، ويقام كل عامين بمشاركة دول تقدم أجنحة وطنية تمثل تجاربها الفنية وثقافتها المعاصرة. وتضم دورة 2026 أجنحة ومعارض من دول عديدة، إلى جانب المعرض الدولي الرئيسي، وتشكل المشاركة الأمريكية أحد أبرز الأجنحة الوطنية في الحدث.
ويحظى الجناح الأمريكي بتاريخ طويل في البينالي، وتختلف آليات تمويله وتنظيمه من دورة إلى أخرى، إذ تتوزع المسؤولية عادة بين الدعم الحكومي والمؤسسات الثقافية والجهات الراعية والمانحين من القطاع الخاص، بما يجعل تأمين تكاليف الإنتاج والنقل وإعادة الأعمال جزءا أساسيا من التخطيط لأي مشاركة دولية.