جاء قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، في 29 أكتوبر، برفع أسعار العائد الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، كأول زيادة منذ مارس 2024، في مواجهة تصاعد المخاطر المحيطة بمسار التضخم. وبموجب القرار، ارتفع سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20%، والإقراض إلى 21%، وسعر العملية الرئيسية والائتمان والخصم إلى 20.5%.
ورغم تراجع التضخم السنوي العام إلى 13.9% والأساسي إلى 14.1% في سبتمبر، فإن استمرار التضخم الشهري عند 1.3%، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وتقلبات أسعار الطاقة والسلع وتشدد الأوضاع المالية العالمية، أبقى احتواء الضغوط التضخمية على رأس أولويات السياسة النقدية.
ويهدف القرار إلى ترسيخ استقرار الأسعار، لكنه يجعل تكلفة التمويل اعتبارًا محوريًا في قرارات المستثمرين، خاصة في المشروعات الإنتاجية والتصديرية. ومن هنا، تبرز أهمية تبني سياسات استثمارية وتمويلية مكملة تساند القطاعات القادرة على زيادة الإنتاج والصادرات وتوليد النقد الأجنبي، عبر أدوات انتقائية ترتبط بالجدوى الاقتصادية والنتائج الفعلية. ويكمن التحدي في تحقيق التوازن بين الانضباط النقدي وتوسيع الطاقة الإنتاجية، دون تحميل الموازنة العامة أعباءً غير مبررة.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في ضوء مستهدفات البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي 2027–2030، التي تستهدف رفع معدل النمو وزيادة الاستثمار الكلي وتعزيز دور القطاع الخاص. وتعني هذه المستهدفات حسابيًا ارتفاع استثمارات القطاع الخاص من 7.3% إلى 13.4% من الناتج المحلي الإجمالي، أي بزيادة تقارب 83% في نسبتها إلى الناتج. ويتطلب تحقيق هذا التحول الهيكلي تعزيز تكامل السياسات وتوسيع أدوات تعبئة الموارد، مع مراعاة قيود الإنفاق العام، خاصة في ظل بلوغ فوائد الدين العام نحو 2.3 تريليون جنيه، وخدمة الدين نحو 5.2 تريليون جنيه في الموازنة الحالية.
ومع استمرار الحوار المجتمعي حول البرنامج تمهيدًا لإقراره بنهاية ديسمبر 2026، تبرز أهمية استكمال بلورة آليات تنفيذ وتمويل واضحة وقابلة للتطبيق، تضمن توجيه الموارد بكفاءة وتحويل المستهدفات إلى نتائج اقتصادية ملموسة، دون الإخلال بالتوازنات المالية الكلية.
1- من استقرار الأسعار إلى تعزيز الإنتاج
تمثل السياسة النقدية ركيزة أساسية في تعزيز استقرار الأسعار والحفاظ على جاذبية الأصول المقومة بالجنيه، ويزداد أثرها الاقتصادي مع تكاملها مع السياسات الاستثمارية والإنتاجية التي تدعم توسيع الطاقة الإنتاجية، وتحسين توافر مستلزمات الإنتاج، وتعميق المكون المحلي. وفي الوقت نفسه، تظل تدفقات استثمارات المحافظ المالية أحد مصادر السيولة الخارجية المهمة، بينما تتأثر حركتها بالتغيرات في أسعار الفائدة العالمية وتوجهات المستثمرين نحو المخاطر، وهو ما يبرز أهمية تنويع مصادر النقد الأجنبي وتعزيز التدفقات الأكثر ارتباطًا بالنشاط الإنتاجي. ومن هذا المنطلق، فإن تحويل الاستقرار النقدي إلى نمو أكثر استدامة يرتبط بتوسيع القاعدة الإنتاجية، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وتعزيز قدرة المنتجات المحلية على المنافسة في الأسواق الخارجية. فكلما ارتفعت مساهمة النشاط الإنتاجي في توليد النقد الأجنبي، ازدادت قدرة الاقتصاد على التعامل مع المتغيرات الخارجية، وأصبح الاستقرار النقدي أكثر استنادًا إلى قاعدة إنتاجية متنوعة وقادرة على النمو.
2- تمويل موجه... لكن ضمن إصلاح أوسع
في ظل ارتفاع تكلفة التمويل، يمكن دراسة آلية محددة المدة لمساندة جزء من تكلفة الائتمان المصرفي الموجّه إلى مشروعات إنتاجية وتصديرية ذات جدوى اقتصادية وقدرة على توليد قيمة مضافة محلية، وفق سقف سنوي معلن ومعايير واضحة. ويستهدف هذا التوجه تخفيف أعباء التمويل عن الأنشطة ذات الأولوية، دون خفض عام لأسعار الفائدة أو التوسع غير المنضبط في الائتمان.
وتنبع أهمية الآلية من أن البنوك تقارن بين بدائل توظيف أموالها؛ فأذون وسندات الخزانة توفر عائدًا أكثر وضوحًا ومخاطر أقل نسبيًا من تمويل مشروعات إنتاجية قد تواجه تقلبات في تكاليف الإنتاج أو صعوبات في التسويق والسداد. لذلك، يمكن الجمع بين مساندة جزء من تكلفة الاقتراض وتقديم ضمانات جزئية للبنوك، بما يساعد على تقاسم مخاطر التمويل وتشجيع توجيه مزيد من الائتمان إلى الأنشطة الإنتاجية، مع بقاء مسؤولية البنوك عن تقييم الجدارة الائتمانية للمشروعات.
وينبغي توجيه التمويل إلى مشروعات تمتلك فرصًا حقيقية للنمو والتسويق، سواء عبر زيادة الصادرات وصافي حصيلة النقد الأجنبي، أو إحلال الواردات بمنتجات محلية تنافسية من حيث التكلفة والجودة، مع احتساب قيمة الخامات ومستلزمات الإنتاج المستوردة. كما يجب أن تكون المشروعات قادرة على سداد قروضها ومواصلة نشاطها دون اعتماد دائم على الدعم. ويتطلب ذلك مراجعة الحوافز القائمة، بما فيها دعم الاستثمار ورد أعباء الصادرات، لتوجيه الموارد إلى الأنشطة الأعلى عائدًا للاقتصاد، مع الاستفادة من التمويل المشترك والضمانات التي تقدمها مؤسسات التمويل والتنمية، والإفصاح عن حجم المساندة ومدتها ومصادر تمويلها.
وتتسق هذه الرؤية مع مخرجات منتدى مصر 2026، وفي مقدمتها «شباب المصنعين» و«مصانع المستقبل»، وبرنامج تعميق التصنيع المحلي في الصناعات ذات الأولوية. كما تبرز تجربة كوريا الجنوبية في السبعينيات أهمية ربط التمويل الموجّه بأهداف صناعية واضحة ومعايير لمتابعة الأداء، بما في ذلك النتائج التصديرية، ضمن استراتيجية تجمع بين التمويل طويل الأجل وتطوير القدرات الإنتاجية والتنافسية.
ولتوضيح التكلفة، فإن مساندة تعادل ثلاث نقاط مئوية على تمويل مصرفي بقيمة 100 مليار جنيه تعني تكلفة نظرية تبلغ 3 مليارات جنيه سنويًا، إذا استخدمت المشروعات كامل التمويل طوال العام. أما التكلفة الفعلية فتتوقف على المبالغ المسحوبة، وأرصدة القروض المستفيدة، ومدة المساندة. لذلك، ينبغي تقييم الآلية وفق عائدها الاقتصادي مقارنة بتكلفتها على الموازنة، بما يشمل الاستثمار الإضافي الذي أسهمت في تحفيزه، وصافي النقد الأجنبي، والقيمة المضافة المحلية، وفرص العمل الناتجة عنها.
وعمليًا، يمكن اختبار الآلية لمدة 12 شهرًا في قطاعين أو ثلاثة، على أن تخضع لتقييم مستقل تُنشر نتائجه قبل اتخاذ قرار التوسع، بما يضمن ارتباط استمرار المساندة بتحقيق نتائج اقتصادية قابلة للقياس.
3- تعميق التصنيع وتعزيز النقد الأجنبي
لا يُقاس العائد الاقتصادي من زيادة الإنتاج المحلي أو الصادرات بقيمتها الإجمالية وحدها، بل بصافي أثرها على الموارد الدولارية بعد خصم تكلفة المدخلات المستوردة، وبمدى ارتفاع القيمة المضافة المحلية. ويتطلب ذلك تحديد الفجوات الإنتاجية ومواطن الاعتماد على الاستيراد، وتوجيه الحوافز نحو الصناعات القادرة على المنافسة والتوسع في الأسواق الخارجية، بالتوازي مع تطوير سلاسل الموردين المحليين.
وتبرز أهمية ربط مبادرات دعم المصنعين والحوافز الصناعية وبرامج رد أعباء الصادرات بمؤشرات أداء قابلة للقياس، تشمل نمو القيمة المضافة المحلية وصافي الحصيلة الدولارية الإضافية. كما تكتسب مساندة استثمارات الطاقة المتجددة ورفع كفاءة استخدامها داخل المصانع أهمية متزايدة، لما يمكن أن تحققه من خفض تكاليف التشغيل وتعزيز تنافسية المنتجات المصرية، خاصة في ظل تنامي المتطلبات البيئية والمعايير الخضراء في الأسواق العالمية.
ويمتد هذا التوجه إلى تطوير منظومة دعم الصادرات، من خلال تحديث آليات رد أعبائها، وتوجيه المساندة إلى القطاعات ذات الأولوية، ودعم تكاليف الشحن إلى الأسواق المستهدفة، فضلًا عن التوجه نحو إنشاء مجلس تصديري متخصص للأنشطة الخدمية. ويمكن لهذه الإجراءات أن تسهم في تنويع مصادر النقد الأجنبي وتوسيعها، شريطة ربط المساندة بصادرات إضافية فعلية وعائد دولاري صافٍ. وبذلك، لا يكون الهدف مجرد زيادة أرقام الصادرات، بل بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنافسية، تعمّق القيمة المضافة المحلية وتعزز قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
4- بيئة الاستثمار وتوسيع دور القطاع الخاص
لا تكفي الحوافز التمويلية وحدها لتعزيز جاذبية الاستثمار، ما لم تتكامل مع بيئة أعمال تتسم بالوضوح والاستقرار وسهولة الإجراءات. ويتطلب ذلك مواصلة تبسيط إجراءات التراخيص، وتسوية مستحقات الموردين والمقاولين، وتطوير آليات فض المنازعات التجارية، وتعزيز استقرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي. كما تمثل مواصلة تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة 2026–2030، وتوسيع فرص مشاركة القطاع الخاص في إدارة الأصول والاستثمار من خلال عقود واضحة وشفافة، عناصر مهمة لتعزيز الحياد التنافسي وتوسيع مساحة المبادرة الخاصة.
وعلى مستوى البنية المؤسسية، تتكامل هذه الجهود مع التوجه نحو إطلاق منصة الكيانات الاقتصادية لتبسيط رحلة المستثمر من التأسيس إلى التشغيل والتوسع، من خلال منظومة رقمية تدعم الشفافية وتيسر الإجراءات. ويواكب ذلك دراسة إنشاء منصة وطنية لإدارة وتخفيف المخاطر الاستثمارية، بما يشمل المخاطر التنظيمية والتشغيلية وتقلبات سعر الصرف، إلى جانب تطوير آلية لتمويل مشروعات البنية التحتية. وتكتسب هذه الأدوات أهميتها من دورها في تحسين وضوح الإجراءات، وتعزيز القدرة على إدارة المخاطر، وتوسيع فرص مشاركة القطاع الخاص في المشروعات الإنتاجية والتنموية.
ويكتمل هذا المسار بالاستثمار في رأس المال البشري والقدرات التمويلية، من خلال تطوير التعليم الفني وربط مخرجاته باحتياجات القطاعات الإنتاجية، وتوسيع أدوات التمويل طويل الأجل ورأس المال الجريء لدعم المشروعات الناشئة والابتكارية. كما تبرز أهمية توفير قنوات استثمار واضحة للمصريين بالخارج، تقوم على مشروعات محددة ذات جدوى اقتصادية ونماذج قابلة للتوسع، مع تطبيق قواعد الحوكمة والإفصاح، بما يعزز قدرتها على جذب مدخراتهم وتحويلها إلى استثمارات منتجة ومستدامة.
5- من المستهدفات إلى النتائج
لا ينبغي أن يُقاس نجاح السياسات المقترحة بعدد المشروعات المستفيدة أو حجم التمويل الممنوح وحدهما، بل بما تحققه من أثر اقتصادي إضافي يمكن قياسه والتحقق منه. ويأتي في مقدمة هذه المؤشرات صافي النقد الأجنبي الإضافي المتحقق بعد خصم تكلفة المدخلات المستوردة، والزيادة الصافية في الإنتاج والقيمة المضافة مقارنة بما كان يمكن تحقيقه في غياب المساندة، فضلًا عن العائد الاقتصادي والمالي لكل جنيه يُوجَّه إلى الحوافز أو الضمانات من الموازنة العامة، وجودة فرص العمل المستحدثة ومدى إسهامها في تحسين الدخول وتوسيع قاعدة التشغيل.
وتتكامل هذه المؤشرات مع المتابعة الدورية للتضخم وأسعار الفائدة الحقيقية وتكلفة التمويل الفعلية للمشروعات، إلى جانب رصد التكلفة المباشرة للحوافز والضمانات والالتزامات المحتملة على الموازنة العامة. ويتيح هذا التقييم تكوين صورة متكاملة عن العائد الاقتصادي للمساندة ومدى تناسبه مع تكلفتها، بما يعزز الشفافية المالية وكفاءة توجيه الموارد.
وخلال الاثني عشر شهرًا الأولى، يمكن إعطاء الأولوية للتطبيق التجريبي لآلية التمويل الموجه في نطاق محدود، وفق معايير معلنة ومؤشرات أداء محددة، على أن تخضع النتائج لتقييم مستقل قبل اتخاذ قرار التوسع. ويتزامن ذلك مع مواصلة تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز تنافسية الإنتاج المحلي، بما يضمن تكامل الأدوات التمويلية مع الإصلاحات المؤسسية والإنتاجية.
فالاستقرار النقدي يهيئ البيئة اللازمة للاستثمار، لكنه لا يضمن وحده تحقيق نمو مستدام. وتظل قدرة الاقتصاد على تحويل التمويل والحوافز إلى إنتاج تنافسي وصادرات ذات قيمة مضافة، وفرص عمل أفضل ودخول أعلى، هي المعيار الأهم لقياس العائد الاقتصادي والاجتماعي للمرحلة المقبلة. فالاستقرار النقدي يكسب الاقتصاد الوقت، والاستثمار المنتج يكسبه المستقبل.