لم تعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد استحقاق انتخابي داخلي ولكن أصبحت مؤشراً مهماً على مستقبل السياسة الأمريكية تجاه العالم خاصة منطقة الشرق الأوسط التي تواجه أزمات متشابكة تتعلق بالحروب وأمن الطاقة والتجارة الدولية والاستقرار الإقليمي.
وأرى أن نتائج انتخابات الثالث من نوفمبر 2026 قد كشفت عن تحول مهم في المشهد السياسي الأمريكي بعدما تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ لينتهي الانفراد الجمهوري بالسيطرة على الكونجرس الأمريكي ويدخل الرئيس دونالد ترامب مرحلة جديدة من العلاقة مع السلطة التشريعية عنوانها زيادة الرقابة والمواجهة بشأن القرارات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
أهمية هذا التحول المرتقب هو الرقابة على أداء الإدارة الأمريكية في امتلاك الكونجرس أدوات مؤثرة تتعلق بالموازنات والإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية وهو ما قد يفرض حسابات جديدة على البيت الأبيض في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط.
وفي مقدمة هذه الملفات تأتي القضية الفلسطينية خاصة مستقبل قطاع غزة وإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية وتثبيت التهدئة وأرى من المتوقع أن يفتح تغير الأغلبية داخل الكونجرس مساحة أوسع للنقاش بشأن الدعم الأمريكي لدولة الاحتلال الإسرائيلي وحدود هذا الدعم في ظل استمرار معاناة الفلسطيني وضرورة احترام القانون الدولي دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول فوري في الموقف الأمريكي من خلال الدور المصري الثابت في دعم التهدئة وإدخال المساعدات ورفض التهجير القسري والعمل على إعادة إعمار غزة، مع التمسك بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
,بالنسبة للملف الإيراني فيمثل تحدياً رئيسياً أمام الإدارة الأمريكية خاصة مع تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية على أسواق الطاقة وأسعار الوقود والتوازنات الأمنية في الخليج.
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة نقاشات أوسع داخل الكونجرس بشأن تكلفة العمليات العسكرية والإنفاق الدفاعي وحدود التدخل الأمريكي إلى جانب فرص التفاوض والتهدئة التي قد تؤثر علي دول الخليج مباشرة بهذه التحولات نظراً لأهمية المنطقة في تأمين إمدادات النفط والغاز والتجارة العالمية، فأي تصعيد عسكري قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويهدد الاستثمارات واستقرار الأسواق خاصة في ظل ما نراه في اليمن من تهديدات الحوثيين للسفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب وما تسببه من اضطراب في حركة التجارة الدولية ودفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يزيد زمن الرحلات وتكاليف النقل.
وهنا تظهر أهمية قناة السويس ومصر بالنسبة للاقتصاد العالمي إذ إن أي اضطراب في البحر الأحمر ينعكس على حركة الملاحة وعوائد القناة وسلاسل الإمداد الدولية.
ومن ثم سيكون الكونجرس الجديد أمام نقاش مهم بشأن استمرار العمليات العسكرية ضد الحوثيين والإنفاق وكيفية حماية السفن وحرية الملاحة ومدى إمكانية الجمع بين الحلول السياسية والتحركات الأمنية لاحتواء الأزمة وذلك لا يتم الا من خلال التنسيق مع مصر .
ومن نتائج الانتخابات سيكون هناك أهمية خاصة بالنسبة لمصر في ظل دورها المحوري في القضية الفلسطينية وأمن المنطقة وأهمية علاقاتها الاستراتيجية والاقتصادية مع الولايات المتحدة.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى استمرار التواصل مع مختلف القوى السياسية الأمريكية سواء داخل البيت الأبيض أو الكونجرس لضمان دعم الرؤية المصرية القائمة على الحلول السياسية واحترام سيادة الدول ورفض التهجير وتحقيق الاستقرار الإقليمي .
ومن الجانب الاقتصادي يجب أن أوضح أن نتائج الانتخابات لن تتوقف آثارها عند حدود السياسة ولكن قد تمتد إلى أسعار النفط والدولار وحركة الاستثمارات والأسواق الناشئة فأي خلاف بين البيت الأبيض والكونجرس بشأن الموازنات والسياسات التجارية والإنفاق العسكري قد يزيد حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية كما أن استمرار التوترات الإقليمية يرفع تكلفة الطاقة والشحن والتأمين.
وهذه التطورات مهمة جدًا بالنسبة للاقتصاد المصري ويجب الأخذ بها في ظل تأثير أسعار الطاقة وتكلفة الاستيراد وحركة رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية على سعر الصرف ومعدلات التضخم وهي متغيرات تنعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات وتكاليف المعيشة التي يتحملها المواطن.
وفي النهاية يجب التوضيح أن تغير الأغلبية داخل الكونجرس لا يعني بالضرورة تغيير السياسة الخارجية الأمريكية بصورة فورية فالرئيس يظل صاحب الدور التنفيذي الأساسي في إدارة العلاقات الدولية لكن الأغلبية الجديدة قد تزيد الرقابة على قرارات الإدارة وتفرض نقاشات أوسع بشأن الحروب والمساعدات والإنفاق الخارجي وهو ما قد يغير أدوات تنفيذ السياسة الأمريكية دون أن يغير بالضرورة مصالحها الاستراتيجية.
وأرى الرسالة الأهم التي تحملها انتخابات النصف الأمريكية أن السياسة الخارجية لم تعد بعيدة عن اهتمامات المواطن الأمريكي بعدما أصبحت تكلفة الحروب مرتبطة بأسعار الوقود والغذاء والتضخم ومستوى المعيشة.
ففي عالم تتغير فيه موازين القوى باستمرار لا يكفي أن تتابع الدول ما يحدث في واشنطن ولكن يجب أن تمتلك رؤيتها المستقلة و أدوات حماية مصالحها كما تفعل مصر لحماية أمنها القومي ومقدراتها.