تطل علينا مناسبة عيد الحب في مصرنا الحبيبة؛ لتذكّرنا بجمال الوصال الذي يستقر في الوجدان، وتتناغم معه خفقات الأفئدة؛ فترتسم المسرة فوق القسمات، وتستيقظ بواعث الأمل لدى النفوس؛ لتمضي المسيرة الإنسانية بكنف الألفة والوئام، وتسمو أمام عوارض الأيام، وتظل شاهدًا ساطعًا يعكس طهر المشاعر وسمو المقاصد عند كل ذي فؤاد عامر بالخير؛ فيشعر المرء بارتياح يغمر كيانه، ويبعث بداخله طاقة متجددة تدفعه نحو استكمال رحلته بهدوء، بعيدًا عن ضغوط الحياة المتلاحقة وصخبها المرهق، ليتذوق حلاوة القرب، وينعم بلطائف العشرة الحسنة، ويرى الوجود منيرًا ببشائر التفاؤل، ومزدانًا بمعاني المودة الخالصة التي تحيي السكينة بين الضلوع، وتجعل اللقاء ملاذًا آمنًا يبدد وحشة الاغتراب، ويملأ الدنيا فرحًا وسرورًا، ويورث الصبر الجميل، ويصون للأحباب مكانتهم الغالية.
وتتزين طوايا الذات السوية بصفاء السريرة وسلامة الطوية؛ فتنصرف هاجرة بؤر الشحناء والضغينة، وتأبى الانجراف صوب نوازع الكراهية ومسالك الجفوة، وتعتصم بحصن الفضيلة، وتستمد من ينابيع الوداد منعة تحفظ اتزانها، وتحرسها ضد أدران القسوة وتقلبات الأمزجة؛ لتصير الطمأنينة حاضرة بالصدور، ومبددة لشتى صنوف الضيق والتبرم؛ فلا يتسلل إليها حسد يعكّر نقاءها، ولن يستبد بمكنونها حقد يفسد طباعها، وما تقع فريسة للأوهام المربكة والظنون الهادمة لأواصر القربى؛ فيعيش الإنسان منا سليم الصدر، متصالحًا مع فطرته النقية، ومقبلًا على معالي الأمور برحابة خلق، وسعة حلم، وبصيرة تدرك قيمة التسامح، وتغلق منافذ النزاع، وتفتح نوافذ الحوار الهادئ، لتستقيم العلاقات، وتزدهر مكارم الأخلاق، وتسمق شجرة الفضل، وتطيب ثمار المعاملة، وتأنس الخواطر بالرفق واللين.
ويزدهر الحب برحاب العواطف النزيهة المترفّعة عن مآرب المنفعة الزائلة وحسابات المصالح؛ فيبادر الإنسان منا لجبر الكسر ومؤازرة الرفيق ومقاسمة الأعباء بقناعة وسماحة، ويحرص مواظبًا على إيثار الأحبة وتفهم حاجاتهم بغير منة وانتظار مكافأة؛ فتمسي المعاملات عنوانًا بهيجًا لكرم الشيم وطيب السجايا، وتتلاشى مظاهر الأنانية وحب الاستئثار، ويحل التعاون المثمر والتعاضد النبيل الجامع للأرواح حول غايات سامية؛ فيغرف المحب من منبع سخائه ما يسعد غيره، ويمسح بكلماته الرقراقة متاعب المجهدين، ويبذل وسعه لتيسير العسير، وقضاء الحوائج، وتخفيف الكروب، موقنًا بأن السعادة الحقيقية تكمن في إسعاد الآخرين، ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم بصدق وإخلاص، ليتواصل الترابط، ويتسع نطاق المعروف، وتغنم المجتمعات بركة التراحم، وتعلو الهمم الزكية، وتكتمل أسباب الهناء والرضا، وتفرح القلوب المتآلفة بعطائها.
وتصمد وشائج الغرام الراسخة قبالة نوازل الدهر وصروف الليالي؛ فترمم بعفوها شروخ الاختلاف، وتذيب بدفئها جليد الفرقة، وتبدل مرارة الألم إلى عزيمة فاعلة تشحذ العزائم وتقوي الإرادة؛ فينهض الشريكان بثقة وعزم لتجاوز العثرات ومواصلة الكفاح، ويبنيان معًا مأمنًا حصينًا تحفه الرعاية ويعمّره الاحترام المتبادل؛ فما تضعفهما أزمات طارئة، وليس تفرقهما رياح التغيير، وقلّما ينال الفتور والملل من حرارة شغفهما، لتتحول التحديات الصعبة إلى محطات ملهمة تزيدهما نضجًا وتماسكًا، وتكشف معادن الوفاء وقت الشدائد؛ فيقف الصديق بجانب خليله مساندًا وداعمًا، ويحفظ عهده قديمًا وحديثًا، لتبقى رابطتهما شامخة كالجبال الرواسي، وعصيّة على الانكسار والتراجع مهما تعاقبت الفصول وتبدلت الظروف، وتعاظمت المصاعب، واشتدت المحن، وتلاطمت أمواج الخطوب الجسام، وتتابعت تقلبات الزمان.
وتشرق أنوار الحب لتبدد ظلمات الحيرة والارتياب؛ فتغرس بأعماق القلب يقينًا ثابتًا يطرد هواجس الخوف والقلق، ويحمي الروح من منزلقات اليأس والإحباط، ويهيئ مناخًا صحيًّا للتفكير السديد والابتكار البناء؛ فينطلق العقل المرن باحثًا عن المعرفة، ومتطلعًا لآمال عريضة تخدم المجتمع وتنهض بأبنائه، وترتقي التطلعات المشتركة لتعانق سحائب الإبداع، وتبتعد مجتازة مسارات السلبية والجمود؛ فيستثمر الطرفان ملكاتهما الذهنية وقدراتهما البدنية بأعمال نافعة تثري الواقع، وتضيف لبنة جديدة لصرح الحضارة، وتصنع حاضرًا مفعمًا بالحيوية والنشاط، ومستقبلًا واعدًا بالريادة والتميز، بفضل استقرار داخلي يمد صاحبه بالحكمة، والتؤدة، والجرأة حين اتخاذ القرارات الراسمة لمعالم الغد المأمول، والمرشدة لطرائق النجاح والفلاح، والدافعة لمواكبة النهضة والعمران، والمحققة لطموحات الأوطان.
وتنبض شرايين الحب بدفء الحنان المتوارث منذ نعومة الأظفار؛ فينشأ الناشئ مترعرعًا بأحضان أسرة تغدق عليه عطفًا واهتمامًا، وتلقّنه مبادئ الرحمة والبر والاعتراف بالجميل؛ فيكبر حاملًا بطواياه امتنانًا عميقًا لمن أحسنوا تربيته، وحنينًا صادقًا لأرضه الطيبة الحاضنة لخطواته الأولى، وتتجاوز أحاسيسه حدود الأنا لتشمل الجيران والزملاء وسائر الخلق؛ فيعامل الجميع بلطف وبشاشة، ويصغي لحديثهم بإنصات وتقدير، ويلتمس الأعذار للمخطئين، ويقابل الإساءة بالحسنى، ويجتهد في إصلاح ذات البين، وتقريب وجهات النظر المتباينة، ليعم الرخاء ربوع البلاد، وتختفي شواهد العنف والتنمر، ويسود السلم الأهلي الحافظ لكرامة المواطن، والصائن لحقوقه، والمعزز لتلاحم النسيج الوطني خلال الأجيال المتعاقبة، والمانع لفرقة الصفوف وشتات الشمل، والموطد لدعائم الاستقرار والأمن، والضامن لسلامة البنيان المجتمعي.
وتثمر صحوة الحب إشراقًا بالفكر وعمقًا بالرؤية ومقدرة تدعم العطاء الخلاق؛ فيتفاعل الكائن الحي بإيجابية وسط بيئته، ويسعى لإعمار أوطانه بروح التكاتف والتآزر، ويجعل ذكرى التوادّ منطلقًا لتجديد الميثاق برفقة النقاء الفطري، وغرس بذور الإحسان بدروب المعيشة؛ لننعم بعيش رغيد يزخر بالمسرات والأمان؛ فهيا نهجر معترك الخصومات العقيمة، ونتصالح برفق وأناة، ونصافح الأكف بقلوب بيض تأبى الغل وتنفر من الغدر، ونروي دوحة العشق بماء الحنين والنبل، لتورق أغصانها ظلالًا ظليلة يستظل بفيئها المتعبون، وتفوح أزهارها عطرًا زكيًّا ينعش الأنفاس، ويصبح يومنا المميز منارًا مشرقًا لنشر المحبة، وترسيخ القيم النبيلة، وإحياء الفضائل الحميدة، وتعميق الانتماء، وتخليد مآثر الأوفياء الكرام.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
د. عصام محمد عبد القادر يكتب: عيد الحب.. برهان نقاء القلوب