AdvertisementS
AdvertisementS

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements
السبت 08/فبراير/2020 - 10:53 ص
من كان يتصور أن تلميذا متوسطا شاردا مغامرًا يسرق و يتمرد علي تقاليد المجتمع، و يطارد النساء، بل و يترك أباه علي شفا الموت وعمره ستة عشر عاما ليجامع زوجته، ان يكون يوما أبًا للأمة و تعبيرا عن ضمير الانسانية؟

وهل يمكن لخليط من افكار الأديان والمعتقدات الفلسفية ان تشحذ إرادة ذلك الشاب، و تجعل مسيرة نضاله قدوة لمثل مانديلا و مارتن لوثر كنج و اوباما،و نبراسا لقدرة الفرد علي تغيير التاريخ، و ان تظل أفكاره عن وحدة الأديان و الخالق محل جدال طيلة تسعة و سبعين عاما من عمره و لعشرات السنين بعد وفاته؟

ولد غاندي لأسرة متوسطة الثراء قرب مومباي؛ فأبوه موظف حكومي، و أمه ربته علي فلسفة تقصر اسلوب الحياة و التغذية علي النبات و الابتعاد عن الكحوليات و علي المسالمة مع الحيوانات و البحث عن الحقيقة كطريق للخلاص الأبدي مع الإيمان بالحقوق لكل الأديان كطريق للعدالة و المساواة، و عندما بلغ الثماني عشرة سنة توفي الله إبنه ، فشعر أنه إنتقام الرب لأنه انشغل عن إسعاف والده قبيل وفاته، فترك المدرسة و سافر الي انجلترا ليكون محاميا ، و أعطته الأم تعويذة، و حلف الا يلمس النبيذ و اللحم و النساء.

أعطته الحياة في لندن دفعة روحية و طموحًا،  و رغم انه سلك سبيل معيشة الإنجليز بحلته البيضاء و سلوك الچنتلمان الخجول ، ألا أنه حفاظا علي عهده تغذي علي العيش و الكرنب و المربي ،و انضم لطائفة نباتيين يعتقدون ان اللحم و الدم يؤديان الي العنف، معتبرا ذلك معتقدا أجتماعيا يجعل منه إصلاحيا مطالبًا بصحوة سياسية، خاصة و أنه تأثر بآراء مدام بلافسكي التي اعتبرت أن الديانات تثري بعضها بعضًا في معتقد ديني جامع اعتبره جسرًا للهندوسية و المسيحية الي الحقيقة بمساهمة الفكر الإسلامي عن الجهاد و بإعتبار أن التخلي طريق للخلاص،فابتعد عن الشهوات و الماديات معتقدا ان التعلق يتنافي مع التفاني من أجل الإنسانية.و  بعد ثلاث سنوات في لندن ثقلت شخصيته كچنتلمان مثالي يؤمن بفعل الخير،عاد للهند في الثامنة عشر عاما من عمره، يريد تحولًا روحيًا و سياسيًا لبلاده.لكنه لم يلق قبولًا اجتماعيًا و لا مهنيا بها كمحامي ،كما توفي الله والدته، فقبل عرضًا للعمل في جنوب أفريقيا عام ،١٨٩٣ حيث توجد بها أكبر جالية هندية خارج الهند.

كانت حياة غاندي في جنوب أفريقيا حتي ١٩١٤إختبارا عظيمًا لمبادئه ،حتي أنه يقال إنها ثقلته ليكون المهاتما أي الروح العظيمة، فبسبب إيمانه بالحقوق و المساواة إعترض علي رغبة مفتش قطار الدرجة الأولي في ديربان أن يخرج منها لأنها مخصصة للبيض، فألقوه عنوة من القطار، و ساند الهنود ضد قانون عنصري و تمييزي لا يعترف بالزيجات غير المسيحية ،و يطلب من العمال غير البيض تسجيل انفسهم بالبصمات العشرة ، كالمجرمين، فنظم عصيانًا مدنيا، و اعتقلوه مع ألفين بتهمة التحريض، كما نظم إضرابا لعمال المزارع و المناجم، إذ آمن  بأن المقاومة السلمية تنجح بقوة .الحقيقة. و رغم تعرضه للسجن إلا أنه تيقن من قدرته علي تحريك الجماهير ، و عاد الي الهند مؤمنا بأن قوة الحقيقة ستقود مسيرته ليكون أبًا للأمة الهندية.

جاب غاندي أنحاء الهند بقطارات الدرجة الثالثة و بزيه التقليدي المتقشف و عصاه متخليا عن البدلة الإنجليزية و العمة التي غطت رأسه في جنوب أفريقيا، عايش الفقراء ، و أسس مجتمعا ريفيا،ينبذ الملكية و السرقة ، و يعتمد المساواة، فلا فرق بين أسرته و الآخرين،و سعي لجعل ذلك المجتمع نموذجًا للاكتفاء الذاتي، فعمل أفراده في الغزل و النسيج بالات بدائية استغناء عن الإستيراد، و قاموا بجمع الملح، و حرضهم علي الامتناع عن دفع رسوم عليه و الاحتجاج السلمي لمقاومة سلطات الاحتلال، فاكتسب شعبية، وكان صعوده للمجد حتميا بمعاونة حزب المؤتمر، ثم طالب بالاستقلال عام ١٩٣١، و سافر الي مؤتمر المائدة المستديرة في لندن لبحثه ممثلا عن حزب المؤتمر و معتقدًا انه معبرا عن فقراء الهند، الا ان كلا من السيخ و المسلمين أرادوا ان يكون لهم تمثيلا منفصلا حرصا علي وضعهم بعد الاستقلال، ففشل الهنود في التحدث بصوت واحد ،و إنفض المؤتمر بلا نجاح رغم أن غاندي بردائه المتقشف و أفكاره إكتسب جماهيرية بين الإنجليز ذاتهم.

عاد غاندي الي الهند و نظم عصيانا مدنيا فاعتقلوه، ثم عاش بين طائفة المنبوذين،و التي بلغ تعدادها آنذاك خمسين مليونًا ،يحاول احتوائهم و إدماجهم مجتمعيا ايمانا منه بالمساواة والوحدة، إلا ان بعض زعمائهم اتهموه بالطبقية، كما نفر منه بعض اتباعه من حزب المؤتمر بقيادة شريكه نهرو ،و خاصة لان الحزب كان يؤمن بالتصنيع و التحديث طريقا للتنمية، مخالفا افكارغاندي عن إقامة مجتمعات ريفية زراعية مكتفية ذاتيا، واصفا إياها بدعوة للتخلف، فخرج غاندي، الذي رأي التصنيع و امتلاك البضائع دافعًا للطمع و التنافس و الحروب، عام ١٩٣٤ من حزب المؤتمر.

دخلت الهند كمستعمرة الحرب العالمية الثانية الي جانب بريطانيا ، فأرسلت جنودها تحارب من أجل حرية دول اخري و ديمقراطيتها، و خرجت بريطانيا من الحرب مفلسة شاعرةً ان الهند عبء عليها،و بدأت دعاوي الاستقلال و الحزازات بين الهندوس و المسلمين بقيادة محمد علي جناح، و اثر احتجاجات من مسلمي كلكتا المزدحمة سكانيا  مع حرارة و رطوبة شهر اغسطس و تفشي البطالة و المجاعة نشبت اشتباكات و مجازر طائفية أدت الي مقتل الآلاف ، و انتشرت خارجها، مما حدا بغاندي الي الذهاب اليها و الإضراب عن الطعام حتي توقف العنف بها. و مع ذلك بدأت موجات نزوح من مسلمي الهند الي الشمال للانفصال في الباكستان و نزوح من هندوس و سيخ الشمال الي الهند وسط مجازر  أدت الي مقتل مليونين من البشر، و هكذا كان حلم غاندي رغم استقلال الهند في اغسطس ١٩٤٧ الذي طالما طالب به مخالفا للوحدة و السلام الذي تمناه. و دفاعًا عن حقوق و حياة المسلمين و سعيا لوقف العنف ضدهم بدأ غاندي إضرابًا اخر عن الطعام في دلهي، الا ان احد المتعصبين الهندوس اعتبره خائنا و مسئولا عن محاباة المسلمين و انفصال الباكستان، فإغتاله بثلاث رصاصات، و نتيجة لصدمة الاغتيال و الشعور بمسئولية العنف و التواطؤ توقف العنف تماما في الهند و الباكستان عقب الاغتيال.

قد لا يتفق كثيرون مع بعض أفكار غاندي عن الجمع بين الأديان، و التخلي عن الماديات و الشهوات و الحياة المتقشفة والتغذية بالنباتات ،لكن يبقي انها حريته في الاختيار، و انه اثبت بها قوة ارادته و سمو روحه و تفانيه حتي الموت من اجل المغزي و الانسانية و السلام و المساواة، بما جعله مثالا فريدًا و أكسبه شعبية محلية و دولية عابرة للأزمان . شخصية تؤمن بقوة الحقيقة و تمالك الذات، و تضع المبدأ فوق المادة، و العقيدة فوق الحياة ذاتها، انسان يعيش روحًا متجاوزًا جسده و احتياجاته، و يقدم حياته فداء للوطن والانسانية، سيرته تعلم انه حتي الانسان المتوسط يمكنه ان يصبح بطلًا فريدًا وفق الإيمان والإرادة ، ليصل الي مرتبة الملائكة بصفاء روحه، سيرة و مسيرة تتزايد حاجة عالم المادة و التراجع الإنساني و التعصب الحالي ان يتعلم منها ليعيد النظر، و يصبح اكثر إنسانية و وحدة و سلاما و تسامحا.

سفير سابق و طبيب هادي التونسي

Advertisements
AdvertisementS