AdvertisementS
AdvertisementS

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

أحمد قاسم يكتب: قلب الليل.. هل يسمح لي نجيب محفوظ قراءته بعقلي؟

الثلاثاء 30/يونيو/2020 - 01:48 م
صدى البلد
Advertisements

 من المستحيل الوصول إلى تعميمات في الفن. والحديث عن شمولية أدب "نجيب محفوظ" يضحى مجرد ابتذال ومزايدة؛ فآلاف المؤلفات والدراسات والأطروحات والمقالات التي تناولته بالنقد والتمحيص والتفكيك والدراسة لن تنتهي. إنها قاعدة مطلقة.. الأدب المحفوظي لن ينضب أبدًا.

لذا نقول إن هذا المقال انطباع شخصي محض. بمعنى أنه نقد ينبع من موقف جمالي استطيقي منزه عن الغرض وبدون إقحام أجندة خارجة عن الموضوع الفني لرواية "قلب الليل"، القصد منه عدم استخدام العمل كأداة بل انطباع فوري عن تجربة مورست ليس لغرض سوى ممارستها. وهو أيضًا ليس موقف نقدي عملي كلّي نابع عن تلك الممارسة، أو محاولة الحكم على الرواية أو "معرفة" و"فهم" أسباب ودوافع تذوقنا لها أو حتى استكشاف جماليتها وتحديد مواطن القوة والضعف فيها، فهذا مبحث آخر، لا محل له هنا ولا يكفيه مقال.

حاولنا فحسب من خلال المقال تجاوز سطح الانتباه والانفصال عن هذا الموقف الجمالي، وإلقاء نظرة موجزة وأحادية على إنتاج واحد من إنتاجات الرواية بمقاربة شبه أركيولوجية ننقب فيها ببساطة عن أحد الكنوز الدفينة التي لاحظناها في العمل، والذي جعلنا نتساءل حالما طوينا آخر صفحة فيها: "إنها قصة جميلة بسيطة الحبكة حلوة المذاق عابرة كالحلم، لكني لامست فيها شيئًا لا أعرف كنّهه.. ما هو يا ترى؟". وبالتالي رأينا أن المقاربة التأويلية، أي التجريف التفكيكي عن هذا الـ"شيء" هو الأنسب-على الأقل بالنسبة لنا-لتحديد ماهيته.

وقبل الدخول في لُب المسألة نؤكد أننا حاولنا قدر المستطاع استحسان ألفاظ ومفردات لغة المقال بحيث تتلافى الانطباعية والانفعالية وتجاور المنهجية المنشغلة بالوعي والقصدية وتفسير الوعي المحفوظي، على الأقل في مسار بحثنا عن الـ"شيء" داخل الرواية.

من نافل القول الحديث عن الرمزية الكلاسيكية في الأدب المحفوظي بشقيها المباشر وغير المباشر؛ ذلك أن هذا الموضوع قُتل بحثًا، وثنائية الله/الإنسان ليست بالغريبة عن أحد قرأ لـ"محفوظ" ولو حتى بشكل عابر، ولا هجينة عن أدبه ولا هامشية ولا عارضة فيه، بل شديدة الوميض والمركزية في أعماله قاطبة، فنرى مثلا أشهر تجلياتها في ثنائية "الجبلاوي" وأولاده في "أولاد حارتنا"، و"السيد أحمد عبد الجواد" مع ابنه "كمال" في "الثلاثية"، وحتى في أعمال لا يرمز فيها "محفوظ" لتلك الثنائية بشكل مباشر مثل "الطريق" و"الشحاذ" و"السمان والخريف" و"السراب".

 وبمجرد أن تمضي قليلًا في رواية "قلب الليل" ستلوح أمامك الجدلية البنائية الشهيرة في خطاب "محفوظ" التأسيسي الشامل والذي لا تخرج هذه الرواية من أفقه ولا تستثنى منه، فالجُمل التي ينطقها لسان "جعفر الراوي" من قبيل "الزمن وضع على وجهي قناعًا قبيحًا من صنعي أنا لا من صنع والديّ" أو "يمارس سلطته ميتًا كما يمارسها حيًا"، و"إنسان إلهي" وغيرها، تنضح بتلك العلائقية القائمة بين التأريخ والقص، بين قلم المؤرخ والراوي.

إن "محفوظ"، كما يقول "جورج طرابيشي"، يريد دائمًا أن يعيد كتابة تاريخ الإنسانية حتى ولو بشكل مستتر. إنه يسعى لتأريخ تاريخية الإنسان الأول منذ قذفه للوجود وصراعه لتحقيق حلمه المستحيل.. استعادة الفردوس.

لذلك يجب التبيان على أننا هنا لسنا بصدد الوقوع في خطأ من أخطاء النقد الجمالي الشائعة، ألا وهو اعتبار الرواية محاكاة للواقع وبالتالي محاولة فك ترميزها وتلبيس صور من واقعنا نحن لأمثلة من واقع الرواية، فمن السهل المجادلة أن "محفوظ" جسد "آدم" بعد طرده من الجنة في شخصية "جعفر الراوي"، لكن يصعب استنباط دلالات الأسلوب السردي نفسه للرواية، فعلى الرغم من أن الرواية تحاول إيضاح الواقع فإن لها حياة مستقلة خاصة بها، أو كما يقول "أرسطو": "التاريخ يعبر الجزئي أو الخاص، والشعر يعبر عن الكلي"، وبالتالي فإن مقاربة "طرابيشي" العظيمة للأدب المحفوظي تختلف عن مقاربتنا له.

إن فردانية "قلب الليل" وتميزها يعزو-بالنسبة لنا-إلى لغة الرواية، ولا نعنى بذلك الجماليات البلاغية والسردية للقلم المحفوظي وهي بمثابة جزء من القشرة الخارجية للعمل، وصحيح أننا نقدر السطح، أي موسيقى الألفاظ عند "محفوظ"،  لكن هنا اهتمامنا ليس منصًبا على هذه الموسيقية-وإن كانت مهمة على المستوى البلاغي-بقدر ما هو منصبًا على دلالاتها والأفكار التي تنقلها إلينا باعتبارها نشاطًا خلاقًا وليس  مصدرًا معرفيًا /أبستمولوجيًا أي وعاءً لحفظ التراث الإنساني وأداة لخلق واقع أو أحد تمفصلات الوعي.

نقصد اللغة هنا بمعناها الواسع الكلّي ولكن في كون الرواية نفسها، فنحن نتعامل مع خطاب خيالي وخيال خطابي. واللغة المحفوظية في الراوية باعتبارها تعبيرًا عن الخيال المحفوظي ورمزًا للخطاب المحفوظي، ليست منغلقة على ذاتها أي ليست كما اللغة العادية التي أنطق بها أنا وأنت والتي يراها " لودفيج فيتجنشتاين" بأنها "عالمي وحدود لغتي هي حدود عالمي".. أي تصبح اللغة نظامًا مغلقًا ومحدودة بما يقوله الإنسان من قضايا تعبر عما يقع في خبرته وحده.

صحيح أنه خطاب روائي قصصي من السطح، أي يلتزم بالبناء الروائي باعتباره أحد مضامين الهوية السردية لـ"نجيب محفوظ"، لكن فحواه استعارية، كما يلوح لنا من خلال ردود موظف الأوقاف على "جعفر" من قبيل "أراك تحب الألغاز" أو "يا لها من طريقة في الحديث".

إننا أمام خطاب استعاري "ملغز" في لغة "جعفر الراوي" التي تزخر بالغموض والإبهام مثل "لي صلات مع عناصر الحياة الجوهرية" والمشكلات المنطقية المفهومية مثل "الأساطير حقائق مثل حقائق الطبيعة والرياضة والتاريخ"، أو "ألا تسمح لي بأن أعبث مع الزمن كما عبث بي"، وكلها أمور لا يمكن تفسيرها سوى بدائرة تأويلية، فمثلًا قد نقول إن المقصود من حديث "جعفر" هنا عن الزمن هو ما تعرض له من أزمات حياتية أو المسؤولية الناجمة عن حرية الإرادة ثقيلة وقد تجعل حاملها يلقي باللوم على أي شيء خارج عن كينونته، أو أن الزمن هنا يعني الزمان الأنطولوجي كما وصفه "مارتن هيدجر"، أفقًا لإدراك الوجود في العالم، أي أن الإنسان لا يدرك ذاته إلا بعد أن تُقذف هذه الذات للوجود في الزمان.

وبالطبع لسنا الآن بقاصدين تأويل هذا الخطاب، فهذا شأن آخر. بل نسلط الضوء عليه وعلى كونه زاخرًا بالأفكار والدلالات باعتباره خطابًا منزويًا في عمق أعماق الرواية يعلوه طبقات خطابية وجمالية أخرى جميعها نتاج مخيلة "نجيب محفوظ" عبرت عن نفسها بشكل باطني حدسي قبل أن تنتقل إلى الوسيط وهو الرواية.

فكما يقول " بينيدتو كروتشه" الخلق الفني عملية باطنة تمامًا أي أن عملية الحدس الفني لا تحدث إلا في الخيال، وبالتالي فإن الصورة/المثال يصبح سابقًا على القصة، ولا يشترط أن يحدث هذا الانتقال بشكل تسلسلي أو منفصل فقد تتحول الصورة لقصة أثناء كتابتها.. المهم أن الحدس والاستبطان يخلقان القصة.

المخيلة المحفوظية حينما تتمثل أمامنا لا تقدم عملية تماهي تقدم النظام العام كالمرايا، فما نعايشه من أحداث وشخصيات ووقائع وأماكن وأزمنة إلخ.. ليست صور، بل قصة. إن المخيلة المحفوظية منتجة وتمثل "اختراقًا" و"نظرة قادمة من لا مكان" بتعبير "بول ريكور". إنها تقدم قصة وليست أيدولوجيا، إنها تتخيل شيئًا آخر. الوجود في مكان وزمان آخر.. وهي كالمخيلة التي قال عنها "إيمانويل كانط" تنتج ولا تعيد إنتاج.. إنها خلاقة بامتياز.

صحيح أننا نرى في مضامين الرحاب/الأنموذج المحفوظي القصصي الشامل، أماكن بأسماء موجودة معنا هنا في الواقع ونقرأ عن شخصيات تاريخية بل وأحداثًا تاريخية، لكنها تتداخل وتتشابك جميعًا في عملية التصور الذهني عند "محفوظ" قبل أن يحصل السرد ويكون أدبًا عبر لغة الاستعارة، إنها عملية محاكاة تعتمد فيها المخيلة المحفوظية على فهم مسبق للواقع الحقيقي والأفعال البشرية ثم يحدث تنويع خيالي/ فانتازي لما هو جوهر، يستحثنا بشكل تأسيسي على إعادة التفكير في وجودنا الراهن.

إن أي قراءة عقلانية لـ"قلب الليل"، سواء أكانت منهجية أم لا، يجب أن يحدث فيها فصل بين عالمها ولغتها، فالعالم كما يقول "فيتجنشتاين" له بنية واللغة أيضًا لها بنية، وبالتالي يمكن أن نقول إن العالم المحفوظي في "قلب الليل" مكون من مجموعة من الوقائع التي تتشعب وتتكون من حالات وتفاصيل الواقع، أما اللغة السردية والتي ينبثق منها الخطاب الاستعاري، هي مجموع القضايا، وتتألف القضايا من قضايا أولية وتتألف القضايا الأولية من أسماء؛ فتحليل العالم الروائي ينتهي بنا إلى موجودات معينة بالإدراك، وتحليل اللغة ينتهي بنا إلى أسماء، وبالتالي تتكون علاقة متمثلة في كون أن لغة "نجيب محفوظ" هي صورة لعالمها الخارجي.

يقول "ريكور" إن "اللغة الاستعارية بعد أن تساعدنا على فهم الواقع، تدمر إحساسنا به وتنميه من خلال تدمير لغتنا وتنميتها"، ذلك أن الذات المتخيلة، وفي حالتنا "نجيب محفوظ"، لديها قابلية على الخلق والتعبير، هذه القابلية تكون "شعرية" تنتج لغة يمكنها أن تتناغم مع الواقع الذي هو غير مكتمل، وكلاهما-اللغة والواقع-في حالة صيرورة دائمة.

الخطاب المحفوظي يمتلك هذه الخاصية الاستعارية في كل صوره وتجلياته، وهو يمكنه أن يعكس ما هو قائم وموجود لكنه في نفس الوقت يمهد الطريق لما هو غير موجود، إنه يستكشف الممكنات وتظهر بين ثناياه إرادة التحقق. فعبر الاستعارات النصية يلوح لنا واقع يريد التحقق، ونحن هنا لسنا بصدد ثنائية واقع/خيال منفصلين عن بعضهما، بالعكس هناك علاقة جدلية قائمة بينهما مركزها هو اللغة الاستعارية، التي تشكل همزة الوصل بين واقعنا نحن والواقع المحفوظي المتخيل.

الخلاصة هي أن غاية القصة الكلّية تبرر نفسها بنفسها وذلك من الموقف الجمالي، لكن غاية النص بعد عملية تفسيره والارتفاع به عن مستوى الفهم بواسطة المنطق والفكر والعقلنة والتحليل، يجعل القارئ خارجًا من النص ولديه إمكانية "إعادة التصور"، فالقراءة بحسب "ريكور" فعالية تأسيسية وتكونية "لا تستغنى عن التنظير لها أي محاولة لتقديم وصف متكامل للعملية الإبداعية السردية أو الشعرية".

Advertisements
AdvertisementS