الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

كيف أرسى الإسلام حقوق غير المسلمين؟

لقد بعث الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وسلم)، رحمة للعالمين، بل رحمة لكل مفردات الطبيعة والكون، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، فأسس عليه الصلاة والسلام حضارة الرحمة بمعناها الشامل، وحفَّز ورغَّب على التَّخَلُّقِ بهذه القيمة النبيلة، فقال: (لاَ يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ النَّاسَ)، وكلمة الناس في الحديث الشريف عامَّة، تشمل كُلَّ أَحَدٍ، دون اعتبارٍ لجنس أو دين أو لون أو عرق، أو لغة، أو لهجة... 
ومن صور الرحمة التعاهد بالإطعام والسقيا والراحة النفسية والبدنية للبشر ولكل المخلوقات التي سخرها الله للإنسان، والتخفيف عليهم في الحمل، وتحقيق راحتهم، والبعد عن ضربهم أو التمثيل بهم....إلخ. والمسلم مأمور في تعاليم دينه بأن يرحم الناس كافَّة، أطفالاً ونساءً وشيوخًا، مسلمين وغير مسلمين. وقد قال (صلى الله عليه وسلم): (ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)، وكلمة "مَنْ" تشمل كلَّ مَن في الأرض، فتشمل: الإنسان مع أخيه الإنسان، بل هي رحمة عامة تتجاوز حدود الإنسان بمختلف أجناسه وأديانه وألوانه ولغاته إلى الحيوان الأعجم.. إلى الدواب والأنعام.. وإلى الطيور والحشرات.. بل وإلى الجماد!.
وكان (صلى الله عليه وسلم) أنموذجًا في الرحمة والسماحة، حيث كان يعامل مخالفيه من غير المسلمين في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، فعن السيدة عائشة (رضي الله عنها) قالت: (توفي النبي صلى الله عليه وسلم، ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين)، أي ثلاثين صاعًا من شعير.
لقد علمنا الإسلام أننا جئنا إلى الدنيا لكي يُكمل بعضنا بعضًا، ويساعد بعصنا بعضًا، ويحترم بعضنا بعضًا -وليس لنتقاتل  أو نتناحر أو نتهاجر أو أو نتدابر، فإن في ذلك خسارة للجميع- فاحترامنا لأنفسنا ولغيرنا هو احترام لصنعة الله، فالله (عز وجل) خلقنا بيده، وميزنا بمزيةٍ غايةٍ في التكريم والإجلال وهي العقل.. وأفاض على كل واحدٍ منَّا فيوضًا عقلية وفكرية، ومنح كلَّ واحدٍ منَّا بصمةً معينةً في التفكير والإبداع، لماذا؟ لنتكامل جميعًا في إعمار الكون والحياة.. بأفكارنا جميعًا.. وبإبداعنا جميعًا.. وبعطائنا جميعًا.. دون حَجرٍ على أحدٍ.. ودون إقصاء أحدٍ لأحدٍ.. ودون تسفيهٍ لفكر أحدٍ أو معتقد أحدٍ... فكلنا شركاء في المسؤولية، وفي إعمار الكون والحياة... 
نعم قد أختلف مع أي أحد في جزئية أو جزئيات وهذا طبيعي، ولكن اختلافي هنا هو اختلاف على فكرةٍ أو على فكره، وليس على شخصه الذي يجب أن يكون له كامل الاحترام. 
لقد شدد النبي الكريم في الوصية بأهل الكتاب، وتوعد كلَّ مخالفٍ لهذه الوصايا بسخط الله وعذابه، فقال (صلى الله عليه وسلم): (مَن آذى ذميًّا فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى الله)، ويا لها مِن رسالةٍ بالغة!!، وقال أيضا: (مَن آذى ذميًّا فأنا خصمه، ومَن كنت خصمه، خصمته يوم القيامة)، ويقول: (مَن ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقًّا، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ منه، فأنا حجيجه يوم القيامة).
ولقد كانت تطبيقاته العملية خير شاهد على رحمته وسماحته عليه الصلاة والسلام، وكانت تعليمًا لأمته ذلك، حيث سمح لوفد نصارى نجران بالصلاة في مسجده، وإباحة مؤاكلة أهل الكتاب، وإباحة الزواج منهم، ووقوفه أثناء مرور جنازة يهودي احترامًا لهذه النفس الإنسانية التي خلقها الله.
لقد شدد القرآن والسنة على حقوق غير المسلمين، بل إن الله تعالى أمرنا أن نُؤمِّن حتى المشركين، قال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ)، فما بالنا بإخواننا من أهل الكتاب؟ لذلك قال الفقيه الكبير ابن حزم الظاهري: "إنَّ من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم...". 
ويبقى الاختلاف والتنوع والتعددية في (المخلوقات، واللغات، والقوميات، والديانات...) سنةُ ماضية من سنن الله عز وجل في الكون والخلق والحياة.
وفقنا الله جميعًا للتكامل والترابط والتعاون، لعبادة الرحمن، وعمارة الأكوان، ورعاية الإنسان.. وتحقيق جودة الحياة.. بعطائنا جميعا، وبأفكارنا جميعا، وبإبداعنا جميعًا.. والله ولي الموفق...
***