لطالما شكّل الذهب ملاذًا آمنًا للاقتصادات في أوقات الأزمات، وركيزة أساسية لدعم الاحتياطيات النقدية وتعزيز الثقة في العملات الوطنية. وفي ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية، وتقلبات أسعار الصرف، وتصاعد التحديات الجيوسياسية، تعود فكرة «بنك الذهب» إلى الواجهة، ولكن هذه المرة برؤية أفريقية خالصة، تستهدف الاحتفاظ بقيمة ثروات القارة داخل حدودها، بدلًا من تصديرها خامًا أو تكريرها وتداولها خارج أراضيها.
مذكرة تفاهم قارية من القاهرة
أعلن البنك المركزي المصري، يوم الثلاثاء، توقيع مذكرة تفاهم مع بنك التصدير والاستيراد الأفريقي «أفريكسيم بنك»، تهدف إلى إنشاء بنك متخصص في الذهب على مستوى القارة الأفريقية، على أن يكون مقره في مصر. واعتبر «المركزي» أن هذه الخطوة تمثل مبادرة استراتيجية كبرى تستهدف تعزيز احتياطيات البنوك المركزية الأفريقية، وتقليل الاعتماد على مراكز التكرير والتداول الموجودة خارج القارة، فضلًا عن إضفاء الطابع الرسمي والمؤسسي على منظومة صناعة الذهب وتداوله.
منظومة متكاملة.. من التكرير إلى التداول
وبموجب مذكرة التفاهم، اتفق الجانبان على إعداد دراسة جدوى شاملة تتناول الجوانب الفنية والتجارية والتنظيمية كافة لإنشاء بنك الذهب داخل إحدى المناطق الحرة المخصصة في مصر. وتشمل الخطة إنشاء مصفاة ذهب معتمدة دوليًا، ومرافق مؤمنة لتخزين الذهب وفق أعلى المعايير العالمية، إلى جانب تقديم خدمات مالية متخصصة وأدوات تداول متطورة مرتبطة بالذهب.
ولا تقتصر الرؤية على السوق المحلية، بل تمتد لتشمل بناء منظومة أفريقية متكاملة، تسهم في تنظيم سلاسل القيمة الخاصة بالذهب، بدءًا من الاستخراج والتكرير، مرورًا بالتخزين والتسعير، وصولًا إلى التداول والاستثمار.
تعاون أفريقي واسع النطاق
وتهدف المبادرة إلى توسيع نطاق المشاركة ليشمل الحكومات والبنوك المركزية الأفريقية، وشركات التعدين، والمؤسسات المالية، وكافة الأطراف المعنية بصناعة الذهب. ويأتي ذلك في إطار سعي مشترك لتوحيد المعايير والممارسات، وتعزيز التعاون المؤسسي، وتسهيل التجارة المستدامة للذهب والخدمات المرتبطة به داخل القارة، بما يقلل من النزيف المستمر لقيمة الموارد الأفريقية إلى الخارج.
البنك المركزي.. مصر تقود التكامل الاقتصادي
وفي هذا السياق، أكد محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، أن هذه المبادرة تمثل نواة لتعاون اقتصادي أوسع بين دول القارة، وتعكس التزام مصر بلعب دور قيادي في تعزيز التكامل الاقتصادي الأفريقي. وأوضح أن اختيار مصر مقرًا للمشروع، بعد استكمال الدراسات والموافقات اللازمة، يعكس حجم الثقة التي تحظى بها الدولة لدى المؤسسات الأفريقية.
وأشار عبد الله إلى أن الموقع الجغرافي المتميز لمصر، الذي يربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، يمنحها أفضلية استراتيجية تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا لتجارة الذهب والخدمات المالية المرتبطة به، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني.
«ذهب أفريقيا لشعوبها»
من جانبه، قال الدكتور جورج إيلومبي، رئيس بنك التصدير والاستيراد الأفريقي، إن مذكرة التفاهم قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في مضمونها نتائج اقتصادية هائلة للقارة. وأكد أن هذه الخطوة تعلن بوضوح أن «ذهب أفريقيا يجب أن يخدم شعوبها»، موضحًا أن بنك الذهب الأفريقي سيسهم في إحداث تغيير جذري في طريقة استخراج الذهب وتكريره وإدارته وتخزينه وتداوله.
وأضاف إيلومبي أن بناء مخزون ذهب فعّال داخل القارة، على غرار ما قامت به اقتصادات كبرى، سيدعم قدرة الدول الأفريقية على الصمود أمام الصدمات الخارجية، ويعزز استقرار العملات الوطنية وقابليتها للتحويل، فضلًا عن خلق ثروة حقيقية داخل أفريقيا بدلًا من تصديرها.
خبير اقتصادي.. خطوة مهمة في توقيت حساس
وفي قراءة تحليلية لأبعاد المشروع، يرى الدكتور رمضان مَعْن، رئيس قسم الاقتصاد والمالية العامة بجامعة طنطا، أن إنشاء بنك متخصص للذهب في مصر يُعد خطوة بالغة الأهمية في توقيت اقتصادي حساس، مشيرًا إلى أن هذه الآلية يمكن أن تُحدث تحولًا نوعيًا في إدارة الثروات المعدنية وتعظيم الاستفادة منها لصالح الاقتصاد القومي.
وأوضح مَعْن أن بنك الذهب لن يقتصر دوره على حفظ وتداول المعدن النفيس، بل سيمثل أداة مالية ذكية تساهم في جذب المدخرات غير الرسمية، خاصة أن شريحة واسعة من المصريين تفضل الادخار في الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات عدم الاستقرار الاقتصادي. وبدلًا من بقاء هذه المدخرات خارج المنظومة المصرفية، يمكن للبنك الجديد إدخالها ضمن الدورة الاقتصادية الرسمية.
تقليل الضغط على الدولار وتعزيز الاحتياطي
وأكد رئيس قسم الاقتصاد أن من أبرز العوائد المتوقعة لإنشاء بنك الذهب هو تقليل الاعتماد على الدولار في عمليات الادخار والاستثمار، وهو ما يخفف الضغط على النقد الأجنبي. كما أن تجميع الذهب محليًا وإدارته بشكل مؤسسي سيساهم في تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي للدولة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وأضاف أن البنك يمكنه إصدار شهادات ادخار مغطاة بالذهب، ما يوفر أدوات استثمارية جديدة وآمنة للمواطنين، ويمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة السيولة دون اللجوء إلى حلول تقليدية مكلفة.
دعم الاستقرار المالي وجذب الاستثمارات
وأشار الدكتور رمضان مَعْن إلى أن وجود بنك للذهب سيعزز من الاستقرار المالي، ويبعث برسالة ثقة للمستثمرين المحليين والأجانب حول تنوع أدوات السياسة النقدية في مصر. كما يمكن أن يفتح المجال أمام صناعات مرتبطة بالذهب، مثل التصنيع والتكرير والتصدير، بما يخلق فرص عمل جديدة ويزيد من القيمة المضافة.
خطوة تحتاج لإطار تشريعي محكم
وشدد الخبير الاقتصادي على أن نجاح التجربة مرهون بوجود إطار تشريعي ورقابي واضح يضمن الشفافية وحسن الإدارة، مع التنسيق الكامل بين البنك المركزي والجهات المعنية، حتى يحقق بنك الذهب أهدافه دون التأثير سلبًا على سوق المعدن أو المدخرات الفردية.
واختتم الدكتور رمضان مَعْن حديثه بالتأكيد على أن إنشاء بنك للذهب ليس مجرد مشروع مصرفي، بل خيار استراتيجي يعكس توجه الدولة نحو استغلال مواردها بطرق مبتكرة، ويمنح الاقتصاد المصري أدوات جديدة لمواجهة التحديات وتعزيز الاستدامة المالية.
في الختام، لا يُعد إنشاء بنك للذهب مجرد مشروع مصرفي جديد، بل خيارًا استراتيجيًا يعكس توجه الدولة نحو استغلال مواردها بطرق مبتكرة، وتعزيز استقلالها المالي، وتحصين اقتصادها ضد التقلبات. وبين الطموح القاري والرؤية الوطنية، يبدو أن مصر تضع قدمها بثبات على طريق جديد، يكون فيه الذهب أداة للتنمية، لا مجرد مخزون جامد في خزائن مغلقة.