ليس السِّلم في خطاب الشيخ العلامة عبدالله بن بيه لفظًا يتردد في المجالس، ولا شعارًا يُرفع في مواسم المؤتمرات، بل هو سؤالٌ وجوديٌّ يلامس جذر العمران الإنساني، ويستدعي إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والدولة، بين الضمير والسياسة، بين الرجاء والعمل. ومن نواكشوط، في الدورة السادسة للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السِّلم، عاد هذا السؤال ليُطرح بصيغةٍ أكثر إلحاحًا: كيف نصنع الأمل في قارةٍ تتجاذبها الاضطرابات وتتناوشها الصراعات، دون أن نقع في وهم التمني أو فخّ العدمية؟
الشيخ بن بيه لا ينطلق من خطابٍ عاطفيٍّ يُسكّن الألم، بل من رؤيةٍ معيارية ترى أن اليأس ليس حالة نفسية فحسب، بل خللًا حضاريًا يُفضي إلى التطرف والعنف. لذلك حين استحضر قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، لم يكن ذلك وعظًا تجريديًا، بل تأسيسًا لمعادلةٍ أخلاقية تجعل الرجاء طاقةً دافعةً نحو العدل والعمران. فالرجاء، في تصوره، ليس تسليةً للنفوس ولا تعليقًا للآمال على المجهول، بل إرادةٌ تُترجم إلى سياسات، وقيمٌ تُبنى بها مؤسسات، وأفقٌ يُصاغ بالعلم والعمل.
من هنا جاء شعاره الواضح: “مهمتنا أن نصنع هذه الفسحة من الأمل؛ فنحوّل الرجاء إلى عمل”. إن هذا التحويل من الرجاء إلى العمل هو جوهر مشروعه السلمي؛ إذ لا معنى لأملٍ لا يتجسد في مبادرات، ولا وزن لخطابٍ لا يتحول إلى هندسةٍ واقعية. السِّلم عنده ليس هدنةً عابرةً تُجمّد الصراع، بل بناءُ ثقةٍ يعيد ترتيب المجال العام على أساس الحكمة والعدل. وهو بهذا يرفض اختزال السِّلم في كونه غيابًا للعنف، ليجعله حضورًا للقيم، وفاعليةً في منع أسباب التوتر قبل انفجارها.
وفي السياق الإفريقي، تتضاعف أهمية هذا الطرح. فالقارة، بما تختزنه من ثرواتٍ طبيعية وبشرية، ليست أرضًا للعجز، لكنها تُختبر اليوم بامتحان الهوية والتنمية والأمن. وهنا يبرز سؤال السِّلم بوصفه سؤالًا عن شكل الدولة، وعن وظيفة العلماء، وعن مسؤولية القادة. ولذلك دعا الشيخ بن بيه إلى تكاملٍ ثلاثيٍّ دقيق: إرادة القادة، حكمة العلماء، وطاقة الشباب. هذا الثالوث ليس تركيبًا خطابيًا، بل تصورٌ لبنيةٍ مجتمعيةٍ قادرةٍ على تحويل الأمل إلى مشروعٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ مستدام.
وإذا كان اليأس – كما يحذّر – بيئةً خصبةً للتطرف، فإن الأمل في نظره بيئةٌ خصبةٌ للسلام. غير أن الأمل الذي يعنيه ليس تفاؤلًا ساذجًا يُنكر الواقع، بل وعيٌ نقديٌّ يعترف بالأزمات دون أن يستسلم لها. إنه أملٌ يُدرك أن الاستقرار المؤسسي شرطٌ للتنمية، وأن تمكين الكفاءات هو الضامن لتحويل الإمكانات إلى إنجازات. ولذلك كان يؤكد أن مستقبل القارة لا يُبنى بالشعارات، بل بإرساء قواعد الحكم الرشيد، وتجفيف منابع النزاع، وتحصين المجتمعات من خطابات الكراهية.
ولعل في تكريم جائزة إفريقيا للسِّلم خلال المؤتمر دلالةً رمزيةً عميقة؛ إذ يتحول التكريم إلى إقرارٍ بأن خيار السِّلم ليس ضعفًا سياسيًا، بل رجاحةُ عقلٍ وحكمةُ تدبير. فالسِّلم، كما يراه، هو الخيار الحضاري الذي يحفظ الكرامة الإنسانية، ويصون الدماء، ويفتح أبواب العمران. إنه خيارٌ يتطلب شجاعةً أخلاقيةً لا تقل عن شجاعة المواجهة، لأن بناء السلام أصعب من خوض الحرب، وصناعة الأمل أعمق من إدارة الخوف.
غير أن جوهر سؤال السِّلم عند الشيخ بن بيه يتجاوز الإطار الإفريقي إلى أفقٍ إنسانيٍّ أوسع. فهو يرى أن العالم اليوم، بما يشهده من تصدعاتٍ أخلاقيةٍ واستقطاباتٍ حادة، يحتاج إلى إعادة الاعتبار لقيمة الحكمة. والحكمة عنده ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لحفظ التوازن بين المصالح المتعارضة، وضبط الانفعالات الجماعية، ومنع اللغة من أن تتحول إلى سيفٍ يُشهر في وجه المجتمعات. لذلك كان تحذيره من الفتن تحذيرًا من انفلات الكلمة قبل انفلات السلاح، ومن انهيار المعنى قبل انهيار النظام.
إن الشيخ بن بيه، وهو يطرح سؤال السِّلم، لا يقدم وصفةً جاهزة، بل يفتح أفقًا للتفكير والعمل. إنه يدعو إلى انتقالٍ نوعيٍّ من ثقافة ردّ الفعل إلى ثقافة المبادرة، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. وفي عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه المخاطر، يظل صوته تذكيرًا بأن السِّلم ليس قدرًا يُنتظر، بل مشروعًا يُبنى؛ وأن الأمل ليس وعدًا مؤجلًا، بل مسؤوليةً تاريخيةً تستدعي من الجميع أن ينهضوا إلى مقامها.
هكذا يتجلى سؤال السِّلم في خطابه: ليس سؤالًا عن نهاية الصراع فحسب، بل عن بداية العمران؛ وليس عن إطفاء نارٍ مشتعلة، بل عن تجفيف منابعها؛ وليس عن خطابٍ يُقال، بل عن واقعٍ يُصاغ. وبين الرجاء والعمل، تتحدد معالم الطريق، ويغدو الأمل – كما أراده – طاقةً أخلاقيةً تصنع غدًا أعدل وأهدأ وأبقى.