في ظل منعطف تاريخي حاد يمر به العالم المعاصر، حيث تلاطمت أمواج الفتن، وتصارعت فيه التيارات المتطرفة التي لا تقبل الآخر، مع تلك الصيحات التغريبية المنفلتة التي تسعى لفرض مفاهيم "شاذة" وتشويه الفطرة البشرية السوية، يبرز اسم فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب كجبل شامخ وصمام أمان، يتجاوز بفكره الرصين حدود الجغرافيا الضيقة، ليمثل ضميراً حياً للأمة الإسلامية وللإنسانية جمعاء.
إن التكريم الأخير الذي ناله فضيلته من دولة تايلاند، بتتويجه "أفضل شخصية إسلامية في العالم"، لم يكن مجرد مشهد بروتوكولي أو جائزة عابرة؛ بل هو اعتراف كوني بمنهجية "الأزهر الشريف" التي يقودها الإمام بحكمة واقتدار في مواجهة حالة "البلطجة الدولية" والفوضى الأخلاقية والسياسية التي تسعى بعض القوى لفرضها كواقع جديد على الشعوب الضعيفة والمستضعفة.
محطات في "هندسة السلم" ووأد الفتن المذهبية
لقد خاض الإمام الأكبر معارك فكرية ودبلوماسية هادئة، تميزت بالثبات والرزانة، لنزع فتيل الأزمات المشتعلة بين المذاهب الإسلامية، انطلاقاً من إيمانه العميق بأن وحدة الأمة هي الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها أطماع الدول الكبرى، والدرع الواقي للفقراء من الجور والظلم. ومن أبرز تلك المحطات التي تستحق التأمل:
• مبادرة الحوار "الإسلامي-الإسلامي": لطالما كانت دعوات الإمام صادقة ومجلجلة في المطالبة بضرورة جلوس علماء السنة والشيعة على طاولة حوار واحدة؛ ليس من أجل تذويب الفوارق الفقهية التاريخية، بل من أجل "تحصين الدماء" وقطع الطريق على القوى الخارجية التي تستغل هذا الانقسام كوقود لنشر الاحتراب الداخلي والنزاعات المسلحة التي لا يستفيد منها إلا أعداء الأمة.
• تفكيك وتفنيد خطاب الكراهية: بذل فضيلته جهوداً مضنية في تنقية المناهج الأزهرية والخطاب الدعوي العام من أي شوائب قد تكرس لإقصاء الآخر أو تكفيره، مرسخاً لمفهوم "المواطنة" و"العيش المشترك". إن "الوسطية" في منهج الطيب ليست مجرد موقف مهادن، بل هي "ملاذ أمان" وحائط صد يحمي النسيج المجتمعي من التمزق والانهيار أمام دعوات الغلو والتشدد.
• الوقوف في وجه "الانفلات القيمي" العالمي: في الوقت الذي يرضخ فيه الكثيرون لضغوط العولمة الأخلاقية، وقف الإمام الأريب كحارس أمين على قيم الفطرة، متصدياً لمحاولات تقنين الشذوذ وفرضه كحق من حقوق الإنسان. لقد أوضح للعالم أن السلم العالمي الحقيقي لا يمكن أن يقوم على أنقاض الأخلاق، بل على احترام الخصوصيات الدينية والشرائع السماوية التي تحفظ للإنسان كرامته وطهارته.
من الفكر إلى الضمير الإنساني وجرح العروبة النازف
إن هذا الفكر المعتدل الذي يرسخه شيخ الأزهر ليس تنظيراً حبيس الغرف المغلقة، بل هو القوة الدافعة والمظلة الأخلاقية التي نحتاجها اليوم لتضميد جراح العروبة النازفة، وعلى رأسها قضية العرب الأولى في فلسطين. فبينما يصمت العالم أمام قتل الأبرياء، وتشريد الأسر، بل وحتى الجرائم البشعة المتمثلة في سرقة أعضاء وجلود المغدورين، يظل صوت الإمام هو الأعلى في المطالبة بالعدل وكبح جماح الطغيان الدولي.
إننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحتاج إلى هذا "الفكر الأريب" ليكون النواة التي تنطلق منها كل الجهود الإنسانية المخلصة لإعادة تأهيل ضحايا هذه الحروب العبثية، وحمايتهم من الانزلاق في بئر الضياع أو التطرف نتيجة الظلم الواقع عليهم. إن إيواء هؤلاء المكلومين هو الترجمة الفعلية لمشروع الإمام في حماية الإنسان وصون كرامته.
إن مسيرة الإمام الطيب تمثل بحق "محراباً للدعوة" يوازن فيه بين التمسك بالأصالة والثوابت، وبين الانفتاح الواعي على مقتضيات العصر، ليبقى الأزهر الشريف منارة مضيئة ترشد التائهين وسط ظلمات الفتن، وتثبت للعالم أن الإسلام هو دين السلام والعدل والجمال.
ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: الإمام الأريب.. منارة الاعتدال في عالم تتقاذفه أمواج الفتن والجور