ما يحدث بين إثيوبيا وإريتريا في هذه المرحلة لا يمكن قراءته كخلاف حدودي عابر أو توتر دبلوماسي تقليدي، بل هو إعادة تشكّل عميقة لعلاقات القوة في القرن الأفريقي، حيث تتداخل الحسابات التاريخية مع الطموحات الجيوسياسية والضغوط الداخلية لكلا النظامين. فالعلاقة بين البلدين محمّلة بإرث ثقيل منذ استقلال إريتريا عام 1993، ثم حرب 1998–2000 التي خلّفت عشرات الآلاف من القتلى ورسّخت منطق العداء الوجودي، قبل أن يأتي اتفاق السلام عام 2018 كحدث مفصلي أنهى رسميًا حالة الحرب لكنه لم يعالج جذور الصراع.
في السنوات الأولى بعد اتفاق السلام، بدا وكأن تحالفًا استراتيجيًا جديدًا قد وُلد، خاصة مع التقارب الشخصي بين آبي أحمد وإسياس أفورقي، والتنسيق العسكري الواضح بينهما خلال حرب تيغراي التي اندلعت في نوفمبر 2020. لعبت إريتريا دورًا حاسمًا في دعم الحكومة الإثيوبية عسكريًا ضد جبهة تحرير شعب تيغراي، ليس فقط بدافع التحالف مع آبي أحمد، بل أيضًا بدافع تصفية حسابات تاريخية مع التيغراي، الذين حكموا إثيوبيا لعقود وكانوا الخصم اللدود لأسمرا. غير أن هذا التقارب العسكري لم يتحول إلى شراكة سياسية أو اقتصادية مستقرة، بل ظل تحالف ضرورة ظرفية.
مع انتهاء الحرب رسميًا باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، بدأت التناقضات تظهر إلى السطح. إثيوبيا الخارجة من حرب مدمّرة تواجه أزمات داخلية متعددة، من مطالب قومية متصاعدة إلى ضغوط اقتصادية خانقة، وهو ما دفع آبي أحمد إلى إعادة طرح ملف الوصول إلى البحر باعتباره “قضية وجودية” لإثيوبيا. هذا الخطاب لم يكن مجرد رسالة للداخل الإثيوبي، بل حمل في طياته قلقًا مباشرًا لإريتريا التي ترى في أي حديث إثيوبي عن الموانئ تهديدًا صريحًا لسيادتها، خاصة أن موانئ مثل مصوع وعصب كانت تاريخيًا شريان إثيوبيا البحري قبل الاستقلال الإريتري.
الواقع الراهن يظهر أن السلام الذي أعلن في 2018 بدأ يتصدّع بوضوح. في فبراير 2026، صعدت أديس أبابا من لهجتها تجاه أسمرا وطالبت بـ سحب قوات إريتريا من الأراضي الإثيوبية فوراً، متهمةً الجيش الإريتري بـ “الاعتداء والتعاون مع جماعات مسلحة متمردة” داخل إثيوبيا في مناطق مثل أمهرة شمال غرب البلاد، واصفةً ذلك بأنه “عدوان صريح” يهدد الاستقرار الإقليمي.
إريتريا بدورها نفت هذه الاتهامات بشدة، ووصفها مسؤولوها بأنها “استعراضات استفزازية” وصيغة من الضغط السياسي، مؤكدين عدم وجود نية لديهم لزعزعة أمن إثيوبيا أو إشعال حرب جديدة.
هناك عوامل أعمق تلعب دورًا في هذا التوتر المتجدد: أحدها يتعلق بتقسيم السلطة داخل إثيوبيا نفسها، وخاصة في إقليم تيغراي، حيث انقسامات داخلية وتنافس بين فصائل التيغراي أثّر على كل ديناميكية إقليمية، وجعل أسمرة وإثيوبيا تتبادل الاتهامات حول دعم الفصائل المسلحة أو استخدامها كأداة لتحقيق أهداف استراتيجية داخلية وخارجية.
هذا التصعيد المتبادل في الاتهامات والطروحات السياسية لا يبدو محصورًا في عناوين الصحف فقط؛ بل يُظهر مؤشرًا حقيقيًا على عودة مخاطر المواجهة المسلحة في القرن الأفريقي. لقد بات واضحًا أن “السلام الهادئ” الذي تبناه البلدان لم يعد كافياً لإخماد جذور التوتر العميقة، وخاصة مع وجود إرث تاريخي من الحرب، وطموحات إثيوبية للوصول إلى البحر، ومخاوف إريترية من ضغوط إقليمية تؤثر على سيادتها.
في المحصلة، ما يحدث بين إثيوبيا وإريتريا اليوم هو علاقة رمادية يحكمها الشك المتبادل وطموحات غير متوازنة، وليس سلامًا مُطمئنًا. فقضية الحدود، النفوذ البحري، والتحالفات مع فصائل داخلية تجعل أي لحظة من الهدوء قابلة للانفجار، مما يضع القرن الأفريقي أمام اختبار جديد قد تكون تداعياته أبعد وأعمق من مجرد نزاع ثنائي