أعتقد أن ماهية المثالية نسبية؛ فعندما يصبح للفرد مرجعة قيمية يتمسك بها؛ فإنه يحاول جاهدًا أن يعمل على ممارسة السلوك الإيجابي، ويضبط ممارساته قدر المستطاع في ضوء المتغيرات المحيطة به، وهنا يمكننا القول بأن الضمير، وشمائل الطباع، تُعد سياجا، يدفع الإنسان منا إلى فعل الخيرات، وهجر كل ما يؤذي، أو يضير بالآخرين، وهذا يجعلنا ندرك أن وصف الإنسان بحسن الخلق، لا ينفكّ عن فقه، وعمل بماهية العدل، والصدق، والأمانة، والنزاهة، والوفاء، وأن صون الطبيعة الإنسانية متعلقة بالحفاظ على مقدار الكرامة، وتعزيز معاني الرحمة، وتفعيل كلًّا من التضامن، والعدل الاجتماعي، والسّلام، وأن العقول يتوجب أن ترد مشرب الحكمة، والاعتدال، والوسطية الفكرية، والوعي القائم على النقد البناء، بالإضافة إلى المسؤولية في إطار فلسفة التفكير، ومهاراته العليا.
نسبية المثالية المنشود الوصول إليها، تتطلب منا تدريبًا على فلسفة الانضباط؛ حيث الحرص على تحرّي الإتقان في كل ما نقوم به من مهام، وأعمال على كافة المستويات، وبالطبع فإن هذا يحتاج منا إلى الصبر، والمثابرة، حتى نحقق المراد، ويرتبط بذلك أن نخرج عن سياج، ومحيط التواضع، وأن نلتمس القدوة في نظرتنا إلى الآخرين، وأن نكون عند حسن الظن قدر المستطاع؛ ومن ثم نربي أرواحنا على الإخلاص، ونوقن أن من أفضل سبل التقييم؛ بغية إصلاح النفوس يعتمد على مراقبة الذات، والعمل على تزكيتها بمزيد من البر، والتقوى، واستشعار المسؤولية تجاه ما نكلف به، أو ما يتطلب أن نشارك في إنجازه من قبيل التعاون، والتضافر؛ لذا أرى أنه لا مثالية مطلقة، يدّعيها أصحاب فكر متزمّت، أو من يحاولون رسم صورة، لا تتناسب مع واقع طبيعتنا الإنسانية، وتركيبتها المعقدة.
قناعتي أن الوسطية أساس بنيان المثالية في إطار النسبية؛ إذ تحافظ على المعنى، والمغزى، ولا تسمح بالنزوات، أو الرغبات أن تتجاوز حيز الحدود، وأشعر بأن هذا يؤدي إلى تمكيننا من رؤية مواطن جمال الوجدان، بل، ندرك ثمرات غرس بذور الخير في كل موضع، وموطن، وهنا يصعب الفصل بين حالة إيجابية لإنسان لديه فقه، بما له، وما عليه، ويدرك العبرة من وجوده على الأرض، ودوره في إعمارها بالعديد من الطرائق؛ ومن ثم لا يقع في بوتقة المغالاة في تناول القضايا في سياج الحداثة؛ لكنه يحاول برغبة جامحة أن يوجه ما لديه من طاقة في البناء بكل أنماطه.
تناغم المثالية النسبية مع الوسطية، يخلق في الوجدان ميزان الانضباط؛ فلا يدع للإفراط مكانة يترنح فيها، يجعلنا نرى تفريط بالمقدار، الذي يهدم الكيان، ويقوّض رسالته؛ فما نشاهده من متلون التشدد، يؤكد الفهم الخطأ لفلسفة القيم، بل، يشير إلى أن معارف تكوينها قد باتت مشوهة، وتحتاج إلى علاج ناجز، وهذا ما يجعلنا نرى بعين القين جدوى التمسك بالمقاصد الشرعية، من أجل المحافظة على ماهية الحياة بكامل أركانها، والحاضنة لمغزى الاعتدال، والتوزان؛ لتعزيز الاستقامة، التي تؤكد على قوامة المنهج، وهنا نعلم مليًّا أن التحولات الجارفة، لا تضير ببنيان الأوطان، ومجتمعاتها، ما دام هناك تمسك بالمبدأ، الذي أُسست عليه؛ كونه يصون، ويحمي الفرد، ويحميه من صور الفكر المتطرف، أو المشوه.
ليست هناك مثالية محضة؛ لأنه لا كمال مطلق على أرض الواقع، ولا مجال لأن يستقل الفرد بذاته، وينعزل عن مجتمعه، ولا جدوى من احتراق الوجدان في خضم بعض المتناقضات المعاشة، ولا سبيل إلى أحلام من المحال تحققها في تربة، يعتريها تغيرات الطبيعة الجائرة، ولا مغزى من وقوع الإنسان في بحور القلق، والإحباط، وحيز الكبت؛ لكن لا بأس من فكر يتطلع، ويطمح في الوصول إلى صورة المثالية المطلقة؛ ليستلهم منه ما قد يستطيع أن يترجمه بعيدًا عن مخاطر المغالاة والتطرف؛ فالفكرة الملهمة تسهم في تعزيز البناء الحضاري لمن استخلف على المعمورة.
نصبو من مثالية وسطية أن نضع ملامح بناء قويمة لإنسان، يمتلك وجدان، مفعم بالقيم النبيلة؛ ليترجمها إلى السلوكيات الإيجابية، التي نرغب في أن نرصد ممارساتها من خلال فلذات الأكباد، كما يمكن أن يستثمرها عقل بلغ من مستويات، ومراحل النضج ما يمكّنه من الإنتاجية، العائد ثمرتها على المجتمع، والوطن في آن واحد.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
د. عصام محمد عبد القادر يكتب: ماهية المثالية